رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى


               

ويدرك دارسو الطب وعلوم التشريح أن خطوط الأنامل التي تظهر في وثيقة "الفيش والتشبيه " الخاصة بكل إنسان هي هويته المطلقة، ورغم أن تعداد العالم اليوم يقارب ثمانية المليارات نسمة على كوكب الأرض إلا أنه من البدهيات اختلاف بصمة كل إصبع تماما عن الثانية، ولا تتطابق بين بشريْن منذ بدء الخليقة وحتى نهايتها! يشهد بذلك الجراحون العالميون ويؤيدهم خبراء الأدلة الجنائية ؛ فلو شابه إنسانٌ آخرَ في بصمته..لعاش العالم كوارث مرعبةّ من ضياع حقوق الأبرياء، وإفلات المجرمين من العقاب، وانهيار المنظومة الجنائية والقضائية في الأرض كلها، ولكن سبحان الذي جعل كل بصمة غير الأخرى تماماً لحكمة بالغة.بل يتحدى الله عز وجل منكري البعث إذ يقول في سورة القيامة:
  {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ★ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ}
فالأمر لن يتوقف عند إعادة جمع العظام الكبيرة، وذلك أمرٌ معجز لكن الأشد إعجازا إعادة تسوية هذه التعرجات الدقيقة في أصابع اليد مثلما كانت في الدنيا تماماً، دون اختلاط بصمة شخصٍ بآخر من بين هذه المليارات!!
ودائما ما يلفت نظري أن وجوه حسناوات السينما عالمياً وعربياً كنت أستطيع التمييز بينهن دونما التباسٍ رغم أني طيلة العمر لم أكن من الذين يستهويهم متابعة الجديد سينمائيا أو تليفزيونيا سوى مرات قليلة لأشاهد فيلماً عالمياً مثل "ذهب مع الريح "أو "دكتور زيفاجو" أو "الأخوة كرامازوف" ولعلك تلحظ ذلك الانفتاح على إبداع المعسكرين الشرقي والغربي دونما إقصاء ، أما جميع الأفلام العربية فلم أتوقف عندها كثيرا نظراً لقراءتها أدبياً قبلما تمتد لها يد السيناريست أو المخرج لفرض وجهة نظرٍ ما...!!
أقول أنني بلا التباس أستطيع التمييز بينهن دونما معونة أحد بل كنت أستطيع التمييز بين وجوه بطلات الصف الثاني دون مشقة فما الذي طرأ كي لا أستطيع معرفة هؤلاء اللواتي يملأن الشاشات صخبا ووسائل التواصل صوراً..؟!! وكم أعاود مساءلة أولادي فيضحكون ظانين أني أمارس ألواناً من التعمية بقصد تبرئة النفس من الاتهام الدائم لزوجات الشعراء-وأنا بالطبع منهم-بعدم سلامة القصد كلما تساءلت عن هذه أو تلك من اللواتي تضج بجلسات تصويرهن صفحاتُ التواصل!!

(إنّي أُحبكِ عندما تبكين/ وأحبُّ وجهكِ غائماً وحزينا)( الحزن يصهُرنا معاً ويذيبنا/ من حيث لا أدري ولا تدرينا)( تلك الدموع الهاميات أحبها/ وأحب خلف سقوطها "تشرينا")(بعض النساء وجوههن جميلةٌ/ وتصيرُ أجملَ عندما يبكين)

ويفتح نزار قباني دفتره الخاص ليؤكد أن جمال النساء الكامن في تقاطيع وجوههن لا تزيله غيوم الأحزان ولا دموع العيون بل يزددن بهاء وسطوة لا يدركها إلا من واجههن وقد طفا على سطح العيون ما استكن في القلوب...!!نعود إلى ما وددت إيضاحه من أن جميلات السينما عالمياً وعربياً ظللن ذوات ملامح وتقاطيع لم تعبث بها أيدي جراحي التجميل أو برامج نحت الأجساد أو عمليات حقن الشفاه والخدود ولذلك ظللن في عيوننا معروفات الملامح لتقاطيعهن بصماتها الخاصة إن صح التعبير علميا وتخيل معي أن الشاعر الأردني "سعيد يعقوب" القائل :

(مِنْ غَمْزَةِ العَيْنِ أَمْ غَمَّازَةِ الخَدِّ/سَبَتْكَ فَاتِنَةٌ مَيَّاسَةُ القَدِّ)(زَهْرَاءُ كَالبَدْرِ وَجْهًا وَالدُّجَى شَعَرًا/وَالثَّغْرُ كَالنَّجْمِ وَالخَدَّانِ كَالوَرْدِ)(كَأَنَّنِي ثَمِلٌ مِنْ خَمْرِ مَنْطِقِهَا/مُرَنَّحُ الخَطْوِ بَيْنَ الجَذْبِ وَالشَّدِّ)

كيف يمكن له أن يتغزل في وجه أنثي ، وهو يدرك كل الإدراك أن كل هذي التقاطيع ليست سوى ملامح مصطنعة زائفة لعله ساعتها يستفسر ..أي شيء لم يزل على ضبط المصنع؟!!وأظن ذلك ما يجعلني شديد الفشل في التمييز بينهن فالكل شبيهٌ للكل... نفس عمليات التجميل ونفس النحت وحقن البوتكس فإذا حملنا هذا المنطق إلى دنيا الشعراء ستجد الأمر مطابقاً تماماً... لدينا شعراء كثيرون دونما قدرة على التفريق بينهم ؛ وكأنهم عربات قطارٍ تتجاوز الألف لكن لا فرق بين هذه العربات وبعضها البعض ؛ فالكل يعيد إنتاج إبداع سابقيه أو مجايليه دونما بصمة خاصة ، وكأنه يكتفي بهذا الاجترار الذي يعيق تطور الشعر بل يؤدي إلى تآكل اللغة وضمور الخيال إذ لايزيد عن استرجاع ما استقر بالبطن من مخزونات سابقة وإعادة مضغها دونما جديد ، ولو أمسكنا بقصائدهم وطالبنا كل من لهم السبق في ابتداع هذه المجازات أو التركيبات بأخذ ممتلكاتهم من قصائد هؤلاء المجترين ما بقي لهم سوى النذر اليسير ، وقد نحتمل ذلك ممن في بدء الطريق أن يبدو تأثره بسابقٍ لكن أن ينتصف به العمر وتتوالى إصداراته وكلها اجترار لما سبق!!!
وسأضرب مثالا عمليا: الشاعر أحمد مطر والشاعر نزار قباني أيقونتان في مضمار الشعر العربي السياسي المعاصر ،ورغم أنهما متفقان في نقد الظلم والاستبداد وتعرية السلطات الحاكمة والالتزام بالقضايا العربية ، وكلاهما يتخذ جسوره من لغة بسيطة يفهمها العوام والخواص ، وكلاهما يتفقان في الجرأة وكسْر المحظورات لكن هل نستطيع التفريق بينهما؟!!! أجل..فـ "نزار قباني" يمزج كل أفكاره السياسية برومانسيته ووصفه المدن العربية وتغزله في معشوقته في مطولاته الشعرية ومن خلال معجم مخملي خاص به يميل إلى الخطابية في مواضع ينتقيها بحرفية؛ لكن "أحمد مطر " لافتاته شديدة التركيز والإيجاز لايغادر السياسة إلا ليعود إليها ممتطياً حصان تهكُّمه من أصحاب المعالي ليصير قاموسه أشبه بصفعات مباشرة على وجوه الجميع هذا ما أريد أن يصل لشعرائنا فليس المهم أن تكتب لكن المهم أن تضيف كتاباتك وإبداعك لبنة جديدة في تشييد صرحك الخاص، وأن يكون ذلك إضافة للمشهد وإلا فما جدوى تسويد الصفحات ولنضع أمامنا بقصد المقارنة بين شاعرين لهما حضورهما في المشهد الشعري العربي ونقارن بين قصيدة "يا قدس" لـ "أحمد مطر "وقصيدة "القدس" لـ "نزار قباني" وقد آثرت أن أدعك تقارن بين قصيدتين متفقتين موضوعا ؛ ورغم اتفاق الشاعرين في المنطلق إلا أن لكل منهما أدواته ومعجمه وإن لم ننسب كل قصيدة لمبدعها إلا أننا نستطيع بذائقتنا القدرة على التمييز ومعرفة صاحب كل قصيدة دونما لبس أوخطأ
قصيدة يا قدس لـ أحمد مطر
(يا قدس يا سيدتي...معذرة فليس لي يدان / وليس لي أسلحة.،.وليس لي ميدان/
كل الذي أملكه لسان /والنطق يا سيدتي أسعاره باهظة..والموت بالمجان /سيدتي أحرجتني...فالعمر سعر كلمة واحدة...وليس لي عمران / أقول نصف كلمة...ولعنة الله على وسوسة الشيطان /جاءت إليك لجنة تبيض لجنتين ..تفقسان بعد جولتين عن ثمان/وبالرفاء و البنين تكثر اللجان/ ويسحق الصبر على أعصابه...ويرتدي قميصه عثمان/ سيدتي..حي على اللجان..حي على اللجان!!)
قصيدة القدس لـ نزار قباني
(يا قدس، يا مدينة الأحزان/يا دمعةً كبيرةً تجول في الأجفان/من يوقف العدوان!/
عليك، يا لؤلؤة الأديان/من يغسل الدماء عن حجارة الجدران!/من ينقذ الإنجيل!!من ينقذ القرآن!!/من ينقذ المسيح ممن قتلوا المسيح!!من ينقذ الإنسان!!/يا قدس.. يا مدينتي..يا قدس.. يا حبيبتي/غداً.. غداً.. سيزهر الليمون..وتفرح السنابل الخضراء والزيتون..وتضحك العيون../وترجع الحمائم المهاجرة..إلى السقوف الطاهرة/ويرجع الأطفال يلعبون..ويلتقي الآباء والبنون..على رباك الزاهرة..يا بلدي..يا بلد السلام والزيتون)