رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

اعترف أنَّي تحيَّرْتُ أيهما أوْقعُ "على حافة.."أم" على شفا.."
واللفظ القرآني يطنُّ برأسي طنين النحل في قوله تعالى:(...وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
سورة"آل عمران"فـ"شفا حفرة.."أي طرفها وحافتها وتوحي بالهلاك الشديد والسقوط المؤكد؛لكني أخشى الالتباس ما بين "شفا"الاسم،
و"شفى"الفعل؛وكلاهما متفقان نطقاً ومختلفان نوعا:
فـ"شفى"بهذا الرسم الإملائي تعني عافى من المرض بينما"شفا"بهذا الرسم تعني طرف الشيء وحافته،ولذلك شاع في لغة العرب"شفا الهلال"أي بقيَّتُه قبل الاختفاء،
ورغم أنه لا أفصح من اللفظ القرآني إلا أني آثرتُ السلامة خيفة الالتباس ، ولعل في العنوان ما يدعو إلى التندُّر... فكيف يكون الإنسان مهدَّداً بالانقراض؛فليس ثمَّةَ خطورةٌ تلوح من كارثةٍ كونيةٍ تستأصله أو يعجز عن التكيُّف وما يحيط به من عناصر بيئته، أو الصيْد الجائر مثلا..ولا بأس إن كان في السبب الأخير مدعاةٌ للسخرية..!!
لكنني بشيء من البسْط أرى أنني ومثلي ممن قاربوا السبعين أو أقل قليلا يدركون تماما أنهم سينقرضون أفكاراً قبل الأجساد، وأكثرنا غادر- لحسن حظه-فلم يمر بما نحن فيه الآن من عجز عن استيعاب ما يحدث من تغيُّراتٍ شديدةٍ حولنا لا يمكن أن يصدقها عقلٌ أو تتوقعها فراسة..!!

فجيلنا عاش يردد ما ذكره سابقوه، ويرى أثره من دور أثرياء الوطن في مواجهة تغوُّل رأس المال الأجنبي واحتكاره الكثير من الصناعات والتجارات ليأتي كبار أغنياء مصر أمثال"طلعت حرب"و
"أحمد عبود"ممن آمنوا بدورهم الذي لا يمكن إنكاره في تثبيت دعائم الاقتصاد الوطني.. يقول أمير الشعراء "أحمد شوقي" احتفاء بافتتاح بنك مصر:
(قفْ بالممالك وانظرْ دولة المال/ واذكرْ رجالاً أدالوها بإجمال)(وانقل رِكابَ القوافي في جوانبها/لا في جوانب رسم المنزل البالي)(ما هيكلُ الهرمُ الجيزي من ذهبٍ/في العين أزينُ من بنيانها الحالي)(علا بها الحرص أركاناً
وأخرجها/على مثالٍ من الدنيا ومنوال)(فيها الشقاء لقوم والنعيم لهم/وبؤسُ ساعٍ ونُعمى قاعدٍ سالي)(والمال-مذ كان- تمثالٌ يطاف به/ والناس مذ خُلِقوا عُبَّادُ تمثال)(إذا جفا الدورَ فانع النازلين بها/أو الممالكَ فاندبها كأطلال)(يا طالبا لمعالي المُلْك مجتهدا/ خذها من العلم أو خذها من المال)(بالعلم والمال يبني الناس مُلكَهمُ.. لم يُبُنَ ملكٌ على جهلٍ وإقلال) 
ولم يتوقف الأمر عند دورهم في تطوير الصناعة بل كان ذوو الثراء على قدْر المسؤولية في التبرع لإنشاء الجامعات والمدارس والمشافي وتكتمل الصورة بما تبنَّته  ثورة 52 من النهوض بالصناعة الوطنية فتشيِّد السد العالي ، و تنشئ الصناعات الثقيلة وتُدخل الكهرباء ووسائل التطوير في قرى الوطن بطوله وعرضه فإذا يمَّمتَ الآن وجهك تجاه واقعنا لأصابك الشعور بالخذلان من ذوي اليسار لسلوكياتهم  ومنتجعاتهم وأخبار أفراحهم  

نحن عشنا طويلا نرى قوة الوطن في الوصول بفاتورة الاستيراد لأقل ما يمكن: فسياراتنا ووسائل النقل العام مما صنعناه، وطعامنا مما  في قرانا زرعناه،وأرديتنا نزهو أنها من مصانع المحلة الكبرى، ومنازلنا كانت شبيهة ببعضها في البناء والاتساع بل والارتفاع فلم نر هذا البون الشاسع بين طبقات المجتمع  يزداد بسرعة جنونية وينذر بشرٍّ مستطيرٍ
عشنا طويلا نرى قوة الوطن في العناية بفقرائه من توفير فرص التعليم التي تُسوِّي بين أفراده والعلاج بمستشفياته دون تمييز يقود ذلك إعلامٌ وطنيٌّ يتحدث لغتنا ويدعم تنميتنا توجههه أهدافنا وينبهنا إلى ما يتهددنا من أخطار من خلال أغانيه وأفلامه ومسرحياته...!!
عشنا طويلا ننشد نشيدنا الأعظم الذي صاغه الشاعر كمال عبد الحليم:
(دع سمائي...فسمائي مُحرِقةْ/دع قناتي... فمياهي مُغرِقةْ/واحذر الأرض... فأرضي صاعقةْ/هذه أرضي أنا..وأبي ضحّى هنا..وأبي قال لنا.. مزِّقوا أعداءنا!!)
(أنا شعبٌ وفدائيٌّ وثورةْ/ودمٌ يصنع للإنسان فَجْرَهْ/ترتوي أرضي به من كل قَطْرَةْ/
وستبقى مصرُ حرةْ..مصر حرةْ)
(أنا عملاقٌ قواه كلُّ ثائرْ
في فلسطين وفي أرض الجزائرْ/ والملايو وشعوب كالبشائر/تُنبت الأزهار من بين المجازر/دع سمائي... فسمائي محرقةْ)
فما أن أذيع النشيد أثناء حرب 56 إلا وهبَّ الشعبُ الثائر  يدافع عن القناة ضد جرائم العدوان الثلاثي،لدرجة أن مسئولاً بريطانيَّاً صرح عبر إذاعة (BBC) العربية قائلا:” لو استطعنا إرسال عشرين طائرةً لإسكات هذا الصوت لما ترددنا في إرسالها"وظللنا نحتفل كل عامٍ بانتصار بورسعيد الباسلة؛لكن اليوم كثيراً من الأجيال لا تعرف شيئا عن بطولات مدن القنال ومعاناة وتضحيات أهلها في حرب 56 أو طيلة حرب الاستنزاف، بل يشارك التعصب الكروي في إذكاء نار الفُرْقة بين أبناء الوطن الواحد!! 
عشنا طويلاً شعوباً عربيةً تؤمن بالمقاومة طريقاً وحيداً لنيل الحقوق تقودنا أفكار ثورة 52، ولا تعجب إذا قلت لك إنها لم تترك قُطْراً عربيا إلا وأثرتْ في شعبه،واقرأ معي ما اعترفت به  الشاعرة الكويتية"سعاد الصباح"تجاه ثورة 52 ومبادئها ثم اقرأ ما استشرفتْه...إنها تقرأ من صحائف الغيب مشاهدَ مرئيةً من حال العرب وواقعهم المُزريِّ المخزيِّ رغم امتلاكهم كلَّ أسباب المنعة والكرامة...
أجل...ليكن الختام دامياً ناصرياً وقصيدة" من امرأةٍ ناصريةٍ إلى جمال عبد الناصر ":

1-كنا كباراً معه فى كتب الزمانْ/كنا خيولاً تشعل الآفاق عنفوانْ/كان النسرَ الخرافيَّ الذي يشيلنا...على جناحيه إلى شواطئ الأمانْ/كان كبيراً كالمسافات ..مُضيئاً كالمنارات
..جديداً كالنبوءات..عميق الصوت كالكهَّانْ/وكان في عينيه برقٌ دائمٌ يشبه ما تقوله النيران للنيرانْ

2-كنا شموساً معه..نوزِّع الضوء على مساحة الأكوانْ/كنا جبالاً معه من حجر الصوّانْ/وكان يحمينا من الركوع والهوانْ/كنا نُسمَّى .. باسمه إذا نسينا مرةً أسماءنا/كنا نناديه جميعاً يا أبي..إذا أضعنا مرةً آباءنا/فهو الذي أطلقنا من رقِّنا..وهو الذي حررنا من خوفنا..وهو الذي أيقظ في أعماقنا الإنسانْ

3-كان هو الأجمل في تاريخنا..والنخلة الأطول في صحرائنا..كان هو الحلم الذي يورِق في أهدابنا..كان هو الشعر الذي يولَد مثل البرق من شفاهنا..كان بنا يطير فوق جغرافية المكانْ/مستهزئاً من هذه الحواجز المصطنعةْ/من هذه الممالك المخترَعةْ/من هذه الملابس الضيقة.. المضحِكة المرقعةْ/من هذه البيارق الباهتة الألوانْ

4-كان على صورتنا..كنا على صورته..كان يرى التاريخ في نظرتنا..كنا نرى المستقبل الجميل في نظرته/جبهتنا مرفوعةٌ تستلهم الشموخ من جبهته/قبضتنا قويةٌ تستلهم القوة من قبضته/أولادنا قد رضعوا الحليب من ثورته/كان هو القوة في أعماقنا/واللهب الأزرق في أحداقنا/والريح..والإعصار..
والطوفانْ

5-كان هو المهديُّ في خيالنا
..وكان  في معطفه يخبئ الأمطارْ/وكان إذْ ينفخ في مزماره..تتبعه الأشجارْ/وكان في جبينه سنابل وحنطة...وفي رنين صوته ما يشبه الأذانْ/وكان في قدرته أن يُطلع السنابل..ويجمع القبائل..
ويستثير نخوة الفرسانْ/ويُرجع الملك على بيت بني عدنانْ

6-كان هو النجمة في أسفارنا..والجملة الخضراء في تراثنا..كان هو المسيح في اعتقادنافهو الذي عمّدنا..وهو الذي وحَّدنا..وهو الذي علَّمنا..أن الشعوب تسجن السجَّانْ/وأنها حين تجوع تأكل القضبانْ

7-يا ناصرُ البعيد قد أوجعنا الغيابٔ/نمد أيدينا عليك كلما حاصرنا الصقيع والضبابْ/نبحث عن عينيك في الليل ولا نُمسك إلا الوهم والسرابْ/يا ناصر العظيم أين أنت... أين أنت!!بعدك لا زرعٌ.. ولا ضرعٌ.. ولا سحابْ/بعدك لا شعرٌ.. ولا نثرٌ.. ولا فكرٌ.. ولا كتابْ/بعدك نام السيف فى قِرابه واستنسر الذبابْ

8-يا ناصرُ العظيم...هل تقرأ في منفاك أخبار الوطنْ/فبعضه مغتصَبٌ.. وبعضه مؤجَرٌ ..
وبعضه مقطَّعٌ.. وبعضه مرقَّعٌ..وبعضه مستسلمٌ..وبعضه ممزَّقٌ 
..وبعضه ليس له سقفٌ ولا أبوابْ/يا ناصرُ العظيم لا تسأل عن الأعرابْ/فإنهم قد أتقنوا صناعة السبابْ/وواصلوا الحوار بالظّفْر وبالأنيابْ/
وحاصروا شعوبهم بالنار والحِرابْ/يا ناصرُ العظيم سامحني فما لديَّ ما
أقوله..في زمن الخرابْ..!!