رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

 ولست من الذين تخدعهم تصريحات براقة لمواقع عبرية فتجعلني أزهو  كتصريح موقع "نتسيف" العبري: "لو تكلمت الطيور في مصر لنطقت بالعداء لإسرائيل "تصريح كهذا أظنه وقع موقعًا حسنًا من كل من طالعه أليس اعترافًا بالفشل الذريع لما خططوا له طيلة عقود  سبقتْ.. ولعله مثلما يراه البعض يجب أن يمنحنا اطمئنانًا راسخًا، ويجعلنا ننام بملء أعيننا نومة المتنبي الواثق بشعره إذْ يقول:
"أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها/  وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ"
ولعلي أجد البيت القائل:
"ينام بإحدى مقلتيه ويتقي/  بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع"
 الذي قاله الشاعر "حُمَيْد بن ثور الهلالي"وإن كانت روايته في شواهد النحو "يقظان نائم"وهو من الذين عاشوا في عصر الجاهلية ما يقرُب من عقدَيْن، وأسلمَ مع الوفود التي وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة "حُنَين",وقد ورد هذا المعنى عند أحد أكابر صعاليك الجاهلية"السُّليْك بن السُّلَكة":
"ينامُ بإحدى مقْلتيَه ويتقَّي/  بأخرى المَنايا من خلالِ المسالكِ"
أقول إن تصريحًا كهذا يجعلني أبيت الليل على فراشٍ قد نسجتْه حروف بيت"حميد بن ثور" و"السُّليْك بن السُّلَكة"
بما تحمله من شدة أرقٍ ونصال توجُّسٍ..!!

 (الدرس انتهى لموا الكراريس.. بالدم اللي على ورقهم سال/ في قصر الأمم المتحدة.. مسابقة لرسوم الأطفال/ إيه رأيك في البقع الحمرا.. يا ضمير العالم يا عزيزي..
دي لطفلةْ مصريةْ سمرا.. كانت من أشطر تلاميذي/دمها راسم زهرةْ .. راسم راية ثورةْ.. راسم وجه مؤامرةْ.. راسم خلق جبارةْ/راسم نار.. راسم عار..ع الصهيونية والاستعمار../ والدنيا اللي عليهم صابرةْ وساكتةْ على فعل الأباليس .. الدرس انتهى..لموا الكراريس)
(إيه رأي رجال الفكر الحر..في الفكرة دي المنقوشة بالدم/ من طفل فقير مولود في المر..لكن كان حلو ضحوك الفم/ دم الطفل الفلاح.. راسم شمس الصباح.. راسم شجرة تفاح.. فى جناين الإصلاح.. راسم تمساح..
بألف جناح.. فى دنيا مليانة بالأشباح..لكنها قلبها مرتاح/ وساكتة على فعل الأباليس.. الدرس انتهى..لموا الكراريس).

ستةٌ وخمسون عامًا مرت على مجزرة بحر البقر التي هزت ضمائر الأحرار بما ارتكبه طيران العدو بحق أطفالٍ غطَّتْ دماؤهم البريئة دفاترهم، ما الخطر الذي يراه العدو في أطفالٍ أيقظتْهم أمهاتُهم للذهاب ككل يوم إلى المدرسة صبيحة الأربعاء الثامن من أبريل فيستهدف مدرستَهم، وتتحول لكومة ترابٍ، وتتبعثر أدواتُ وأشلاءُ ثلاثين طفلاً، ويصاب خمسون آخرين!!
لتصبح كلمات الشاعر "صلاح جاهين"وثيقةً دامغةً على خسَّةِ العدو، ووقودًا يحث الخطى طلباً للثأر، أما وإن مبدعينا الحقيقيين الذين عايشوا أحداث الوطن لم يقصُّروا في حقه؛ لكن حين تمر المناسبة إعلامياً مرور الكرام دونما تذكِرةٍ رغم وجود كل ما يمكِّن الإعلامَ من أداء دوره التوعوي وشحْذِ الهمم أجلْ...موجودٌ في مكتبة التلفزيون المصري الصور والأخبار والأغاني الوطنية التي تجدد ذكريات هذه الجريمة وغيرها..لكننا مقصرون في حق أجيالٍ نشأت اقتصر مفهوم الوطنية لديهم في الاحتشاد فقط لمباريات المنتخب تشجيعًا، ورسماً للعلم المصري على الوجوه!!
وتأتي قذائف "أحمد فؤاد نجم"مدويةً بألفاظ تلغرافيةٍ شديدة العمق:
(الخَطّ دا خطِّي.. والكلمةْ دي ليا.. غطِّى الورق غطِّي..بالدمع يا عنيةْ.. شط الزتون شطِّي.. والأرض عربيةْ/نسايمها أنفاسي.. وترابها من ناسي..وان رحت أنا ناسي..ما تنسانيش هيَ/والخط دا خطي..والكلمة دي ليا لاكتب على عيني..يِحْرمْ عليكي النوم..واحبس ضيا عيني..بدموعي طول اليوم.. قبل الوفا بديني.. زي الصلا والصوم/ والدين في عرف الحُرّْ..هَمّ ومذلةٔ ومُرّْ..وشجون تصون وتجرْ..احزان مخبية والخط دى خطي...
والكلمة دى ليا..).
 هل يعلم  التلفزيون المصري أن هناك متحفًا باسم "شهداء بحر البقر" تضم مقتنياته شواهد الجريمة من أدواتٍ مدرسيةٍ (سبورة–تُخَتٍ مدرسية)، بالإضافة إلى متعلقات التلاميذ من "كراريسَ" و"كشاكيلَ" و"أقلامٍ" و"مريلةٍ" مدرسيةٍ ملطخةٍ بالدماء بطريقةِ عرْضٍ حديثةٍ تلائم ما هو موجودٌ في متاحفنا المصرية، وذلك بوضْعها بصناديقَ عرْضٍ زجاجيةٍ محكمةِ الغلق لتأمينها والحفاظ عليها من العوامل الجوية.. فلماذا لا يجيد التلفزيون أداء دوره في صناعة وعي أجيالٍ لم تعش مثل هذه اللحظات الفارقة في تاريخ الوطن؟!!إن التركيز على هذه الأجيال بإفهامها ما دفعه الآباء والأجداد من دمائهم وسنين أعمارهم في الحفاظ على راية الوطن شامخة عزيزة لم يكن بالثمن الهيِّن ولدينا الحدث التاريخي وشواهده فلماذا نتسم بقُلَّة الحيلة..؟! إن العدو لم يترك مناسبة إلا وكرَّسها للتأكيد على مذابح "الهولوكوست" وأغفل ما ارتكبوه من خياناتٍ في حق أوطانهم  وسعتْهم،ولم يترك مندِّداً بسياستهم إلا ولاحقوه بمعاداة السامية!

 فهل وضح سبب توجُّسي الدائم من هذا الخطر الوجودي، ويجد له اليوم من يناصره من بني جلدتنا وينتمي إلى عروبتنا وبخطوة أولى إذا أردتَ أن تدمِّر أمةً ما فما عليك لتحقيق مبتغاك  سوى أن تبدأ خطواتك الأولى بمحو ذاكرة أجيالها ، ودفعهم إلى إغفال دراسة تاريخهم بدعوى أن التقدم والازدهار مرتبطان بدراسة العلوم المادية من "فيزياء و كيمياء وأحياء ورياضيات..إلى بقية العلوم التي ترتبط بالتقدم البشري ، والغريب  افتعال صدامٍ وهميٍّ بين دراسة تاريخنا الحقيقي وبين دراسة هذه العلوم المادية..!! ويجهل مفتعلو هذا الصدام الوهمي أنه لولا قيام أجدادنا بتسجيل تاريخهم على جدران معابدهم ما عرفنا ريادتهم المطلقة في شتى العلوم؛ ليأتي الختام للمبدع "فؤاد حداد" بنصٍّ يقوم على مرتكزين: الابن الشهيد وأمه المكلومة من خلال سرْدٍ باك لحلم لم يزل في حناياها، وبرعمٍ لم يُترك ليسعد بجمال اخضراره..!!لقد استطاع "فؤاد حداد" استثمار لغة حكايات الهامسة في صمت المساء الحزين التذكير بوصية الصبي الشهيد وإلحاحه على الأم/مصر برعاية الوصية لتنجلي الصورة في ختام القصيدة وتمتزج وصية خالدة بفتح الرمز وإلى النص الخاص جداً:
(محافظته الشرقيه... ومدرسته..بحر البقر الابتدائيةْ..وكراسته..
مكتوب عليها السنة والاسم/ ابني اللي كان عود الريحان الطِّيِبوكان أمير فى أهله بالمعروف/وسقيته من لبني ومن شجني/وحملته بين الشمس والضِّلَّةْ../روح يا زمان...كانت وداني معوِّداني أدان الفجر أدعي له/كانت عيون الدنيا بتشيله..ويهل فى المواعيد/كان يمشى يفرح بالحيطان البيض/واحنا اللي ناس بنحب نتعلم/المدرسة ناحيتنا زى العيد/كانت حياتنا حنيّنه وصعبه/
تشبه قرايته من الكتاب الجديد/فين الكلام الحلو من بقه!!/كان الوطن.. عسل على لسانه وسبْحه ونشيد/ادينى قلبك يا اللي تسمعني/لو شفت ابنك قبل منك شهيد/راح اللى راح ..اللعب والخِفَّهْ/أول جهادنا نبتسم تانى.. والابتسامه تليق على الشفَّةْ/ابني اللي وصاني..طول النهار كان صوته في وداني/زي العرَق فى الشمس/ابني اللي كان عود الريحان الطِّيِب..أخضر في أخضر فى المنام جاني/وقال لي عاوز كل زرعه تعيش.. أخضر في أخضر في المنام قال لي مش أمي لو مابتزرعيش/ابني اللي قدِّم نَدْرُه.. واتملك شقاه..
ابني اللى ما يحبش يعيد الآه/ابني اللي بيغنى الأمل ويقول‏:‏
كل شاطر مهما كان شاطر يفرح بواجب سهلْ..كل قلب ومهما كان قاسى..
يطلب حنان الأهلْ/كل ميِّتْ مات بيتلفِّت وبِيدكم مش بيده ما ينقطعشي ودِّه عنكم أبدا../بيدكم..حب الوطن يبقى له سبحه ونشيد..
ويمشي يفرح بالحيطان البيض..يقلع الشوك والعاقول من سكِّته..وكل ما بنزرع..
وكل ما بنبني نلتقي الدنيا عمار في ضحكته.. ابنكم ابني الحديد والنار ماطالش يسكِّتُه../صوته معاكم عالي يا ولاد مصر
...كلمة مصر)