أن يكون العمل الحرفي سواءً والجهاد في سبيل الله فذلك دالٌ على شمول نظرة الإسلام للعمل وأربابه ..يبدو ذلك جلياً في الحديث الشريف (مرَّ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ فرأى أصحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من جلَدِه ونشاطِه فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنْ كان خرج يسعى على ولدِه صغارًا فهو في سبيلِ اللهِ وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى على نفسِه يعفُّها فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ)؛ليصبح هذا الحديث الشريف صحيفة اتهامٍ ودليل إدانةٍ دامغاً لقاصري العقول الذين يرون ميدان الجهاد مقصوراً على حمل السلاح ، أو قصروا مفهوم العبادة على إقامة الشعائر التعبديَّة فحسب في معرض تفسيرهم لقول الله عز وجل (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) إذْ كيف يكون ذلك، وهذا تذكير "صالح" النبي لقومه "ثمود" :
(... يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا..)
أي : أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكنَ ، وغرْسِ أشجارٍ . وقيل : المعنى ألهمكم عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهار وغيرها ؛ لذلك كان مفهومُ استعمار الأرض مبنياً على استثمار الإنسان ثرواتِ ما حوله لتحقيق فوائد استخلاف الله له في الأرض فلم يُترك مُطلَق اليد دون حسابٍ أو مساءلةٍ ؛وليس الاستعمار بمعناه البغيض من احتلالٍ وسرقة مقدرات الشعوب.
ولم يكن قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : إني لأرى الرجل، فيعجبني، فأقول: هل له حرفةٌ؟فإن قالوا: لا، سقط من عيني" إلا محدداً لنظرة المجتمع الإسلامي لقيمة الرجل بقدْر ابتعاده عن التبطُّل، فرأس الدولة ممثَّلا في أمير المؤمنين لا يطيق أن يرى طاقة معطَّلة؛ إذ أن الإنسان لا تبرأ ذمته سوى بأداء حق المجتمع، ومتى قام كل فرد بما عليه، فنهوض المجتمع أمرٌ حتميٌّ، فلا يظنن الرجل أنه بقعوده في المسجد عن طلب الرزق رافعاً يديه إلى السماء يقول اللهم ارزقني أنه قام بما كلف به من السعي فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة...ومع كل هذه المأثورات التي ترفع من قيمة ذوي الأعمال والحرف إلا أننا لا نبالغ إذا اعترفنا بتدني نظرتنا أفراداً ومجتمعات للحرف وأهلها رغم ما نطنطن به من كلماتٍ أراها تتناقض وتصرفاتنا اليومية...لقد خسر العالم كثيرا بتفريطنا في صدارته، وتنازُلنا عن كابينة قيادته حضارياً...!ولعلنا حينما نتذاكر احتفالنا السنوي بعيد العمال إنما نضع أمام أعيننا ما بدا أواخر القرن التاسع عشر من أنه نشاطٌ عماليٌّ كسابقه لكن كلَّ شيءٍ تحوّل إلى كارثة عندما نظم 400 ألف عامل في جميع أنحاء الولايات المتحدة إضراباً سلمياً في شيكاغو في الأول من مايو عام 1886 احتجاجاً ومطالبةً بيوم عمل مدته ثماني ساعات. لسوء الحظ، تحوَّل الإضراب إلى أعمال عنف، وقتلت الشرطة العديد من العمال العُزْل...!!
كل ذلك لمجرد أن أرادوا المطالبة بحقوق مشروعة في توفير ظروفٍ أكثر احتراماً لآدميتهم..!!
"مثلما تغرس في الصحراء نخلةْ/مثلما تطبع أمي في جبيني الجهم قبلةْ/مثلما يلقي أبي عنه العباءةْ/ويهجِّي لأخي درس القراءةْ/مثلما تطرح عنها خِوَذَ الحرب كتيبةْ/مثلما تنهض ساق القمح في الأرض الجديبةْ/مثلما تبسم للعاشق نجمةْ/مثلما تمسح وجه العامل المجْهَد نسمةْ/مثلما يشمخ بين الغيم مصنعْ/مثلما يُنشِد بعضُ الصحب مطلعْ/مثلما يبسم في ودٍّ غريبٌ لغريبْ/مثلما يرجع عصفورٌ إلى العش الحبيبْ/مثلما يحمل تلميذٌ حقيبةْ/مثلما تعرف صحراء خصوبةْ/هكذا تنبض في قلبي العروبة!!!"
إن محاولات شاعر المقاومة"سميح القاسم" الدائبة في رصد تجذُّر الهوية العربية من خلال تحويل المعاناة اليومية في كل حرفة أو عمل إلى منهجٍ عام يستثير التحدِّي يجعل من العروبة دافعاً ملهما ضد كل محاولات العدو لطمس الهوية العربية الفلسطينية، وذلك يبين واضحاً في قصيدة " هكـذا " لشاعر المقاومة " سميح القاسم " ويصبح التكرار اللغوي لمفردة "مثلما" دالاً دون افتعال عن الربط بين العروبة وبين الأفعال اليومية ؛لتصبح هذه الأفعال الفطرية المؤداة دونما مزايدة أسلوباً حياتياً لتأكيد قيمة التحدّي في مواجهة محاولات العدو لاقتلاع الجذور ؛ ليرسم النص لوحة شعرية مفعمة بالتحدي الجسور والمقاومة الشعبية اليومية لكل أدوات العدو التي تدعم طمس الهوية العربية وتكريس الاحتلال... هكذا يأتي العمل وسيلة مقاومة فليست المقاومة محصورةً في حمل السلاح وفقط..!! ومن ثَمَّ يأتي الاحتفال بيوم العمال العالمي في جميع أنحاء العالم للاعتراف وتقدير العمل الجاد أياً كان ميدانه،وأيضًا وسيلة للتذكير بحقوق العمال الإنسانية والعادلة التي راعتها الشرائع السماوية وعلى رأسها الإسلام..!!
"ربما أفقد ما شئت معاشي/ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي/ربما أعمل حجّاراً… وعتّالاً… وكنّاس شوارعْ/ربما أبحث في روث المواشي..عن حبوب/ربما أخمد عريانا..وجائعْ/يا عدوَّ الشمس..لكن لن أساومْ/وإلى آخر نبضٍ في عروقي…سأقاوم"
"ربما تسلبني آخر شبرٍ من ترابي/ربما تطعم للسجن شبابي/ربما تسطو على ميراث جدِّي من أثاث… وأوان.. وخواب/ربما تحرق أشعاري وكتبي/ربما تطعم لحمي للكلاب/ربما تبقى على قريتنا كابوس رعب/يا عدو الشمس… لكن لن أساوم/وإلى آخر نبضٍ في عروقي… سأقاوم"
ولشاعر المقاومة "سميح القاسم "قصيدة رائعة هي "خطابٌ في سوق البطالة" يرصد فيها صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة الصلف الصهيوني ومحاولات التضييق الاقتصادي المستمرة لإجباره على الخضوع والاستسلام والتسليم بالاحتلال والتفريط في الكرامة والأرض إلا أن راية التحدي يرفعها الشاعر عاليةً في وجه المحتل الغاشم رفضاً للركوع مهما كانت التضحيات؛ فلا الجوع يثنينا ، ولا البطش يخيفنا ولا العُرْي أو مشقة الحِرَف التي تستنفذ الطاقات ستجعلنا نكلُّ أو نتهاون..إنما جوابنا الوحيد لن نساوم... وسنقاوم
ربما .. تكتظ القصيدة بصور القمع التي يراها البعض شديدة القسوة ... لكن الشاعر المقاوم الحقيقي يواجه ذلك براية التحدي التي لا تسقط أو تهادن أو تساوم ، وبلغةٍ استعلائية صدامية لا تمنح العدو لحظة شماتة ليأتي الختام حاملا البشريات بدون النصر أجل... إنهم يرونه بعيداً ونراه قريبا فإلى الختام النابض بالأمل والتفاؤل في مواجهة التحديات والمخاطر والصلف والبطش
"ربما تطفئ في ليلي شعلةْ/ ربما أُحرَم من أمي قُبلةْ/ربما يشتم شعبي وأبي.. طفلٌ، وطفلة/ربما تغنم من ناطور أحلامي غفلة/ربما زيف تاريخي جبان، وخرافي مؤله/
ربما تحرم أطفالي يوم العيد بدلةْ/ ربما تخدع أصحابي بوجهٍ مستعارْ/ربما ترفع من حولي جداراً وجداراً وجدارْ/ ربما تصلب أيامي على رؤيا مُذلةْ/يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم/ وإلى آخر نبضٍ في عروقي.. سأقاوم"
"يا عدو الشمس..في الميناء زيناتٌ..وتلويح بشائرْ/وزغاريدُ..وبهجةْ/وهتافاتٌ، وضجةْ/والأناشيد الحماسية وهجٌ في الحناجرْ/وعلى الأفق شراعْ/يتحدى الريح.. واللّجّ.. ويجتاز المخاطرْ/إنها عودة "يوليسيّز" من بحر الضياعْ/ عودة الشمس، وإنساني المهاجر/ولعينيها، وعينيه.. يميناً.. لن أساوم/وإلى آخر نبضٍٍ في عروقي
سأقاوم .. سأقاوم .. سأقاوم..!!!"
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض