رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى


             
لعلك لأول وهلةٍ حين تقع عينك على العنوان يتبادر إلى ذهنك مباشرةً الكثيرُ من الأدبيات الدينية الحاضّة على تجنُّب مجالس الأمراء لما فيها من الفتنة كما يقول حذيفة-رضي الله عنه-: {إياكم ومواقف الفتن قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول: ما ليس فيه} ... لذلك قال بعض السلف: إنك لن تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه.لكنني-في ذات الوقت-أطرب لنصيحة العباس بن عبد المطلب لابنه عبدالله فقد قال عبد الله بن عباس: قال لي أبي إني أرى أمير المؤمنين -يعني عمر رضي الله- عنه يدنيك ويقربك فاحفظ عني ثلاثا: إياك أن يجرِّب عليك كذبة، وإياك أن تغتاب عنده أحدا، وإياك أن تفشي له سرا. ثم قال: يا عبد الله ثلاث وأي ثلاث، فقال له رجل: يا ابن عباس كل واحدة خير من ألف قال: بل كل واحدة خير من عشرة آلاف.

كل ذلك لم يدر بذهني لكنني حينما تأملت علاقة أمير الشعراء أحمد شوقي بالخديوي عباس حلمي الثاني حاكم المحروسة وقد كان شاعر بلاطه وكان الخديوي يحبه ويصله بمكرماته وعطاياه ، ومع كل ذلك إذا بأمير الشعراء يتخلف عن مرافقة الخديوي في رحلته الشهيرة الى بلاد الحرمين عام 1909م لأداء فريضة الحج ، ومن الطبيعي أن تكون الرحلة تاريخيةً، إذ ستكون على ظهور الإبل والخيل، ثم يستقل الركب الأميري السفن من السويس حيث ترسو على ساحل جدة، وما كان للخديوي أن يسافر دون أن يصطحب معه أمه أمينة هانم إلهامي حفيدة السلطان العثماني عبد المجيد الأول  وكبار رجال دولته، ومنهم  أحمد شفيق المؤرخ الشهير وناظر -وزير-الأوقاف أحمد خيري، والشيخ محمد شاكر وكيل مشيخة الأزهر الشريف فهل من المعقول أن يصطحب هذا الوفد كله، ثم لايصطحب صديقه المقرب وشاعر البلاط أحمد شوقي ليكون رفيقه في الحج؟!!
حاول شوقي التملص كونه يخشىى ركوب الإبل والخيل لكنه كيف يعتذر وبما يتحجج ، فسايرهم وغادر القاهرة في صحبة الخديوي إلى الحج، حتى إذا صار في صحراء العباسية غافلهم ، واختفى عن أنظار الجميع في بيت أحد أصدقائه حتى مضى الركب الأميري إلى وجهته ، فعاد إلى القاهرة وهو يعلم أن الخديوي سيغضب من تصرفه هذا بعد أن يفتقده فلا يجده، ولما عاد سموه من الحجاز وأخذ يلومه على فعلته، اعتذر قائلا: كل شيء إلا ركوب ظهر الجمال يا أفندينا..!!
ولكي يعوض سموه عن هذا التقصير نظم له قصيدةَ ترحيبٍ وتهنئةٍ بالحج  ليقدمها بين يدي اعتذاره...هكذا يحكي حسين شوقي الحادثة في كتابه “أبي شوقي”: "وكان أبي كلما روى هذا الحادث فيما بعد يضحك ملء شدقيه بل يتهم الابن أباه بالأنانية فيقول:“ألم يكن أبي أنانيا عندما تخلى عن الخديوي حين سافر سموه إلى الحجاز ليؤدي فريضة الحج؛ ذلك العاهل الذي كان هو شاعر بلاطه، والذي كان يحبه ويعطف عليه كل العطف؟!!"
وهكذا كان اعتذار شوقي مُلْهَماً ليسعد متذوقو الشعر برائعته..{إلى عرفات الله}

(إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَيرَ زائِرٍ/عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ في عَرَفاتِ)(وَيَومَ تُوَلّى وُجهَةَ البَيتِ ناضِراً/وَسيمَ مَجالي البِشرِ وَالقَسَماتِ)(عَلى كُلِّ أُفقٍ بِالحِجازِ مَلائِكٌ/تَزُفُّ تَحايا اللَهِ وَالبَرَكاتِ)(إِذا حُدِيَت عيسُ المُلوكِ فَإِنَّهُم/لِعيسِكَ في البَيداءِ خَيرُ حُداةِ)(لَدى البابِ جِبريلُ الأَمينُ بِراحِهِ/رَسائِلُ رَحمانِيَّةُ النَفَحاتِ)

أجل.. شَدتْ كوكب الشرق بهذه الرائعة لكن بعد تعديل بعض الصياغات لينطلق مطلع القصيدة من الخاص إلى العام ولا يظل النص قاصرا على زيارة الخديوي بيت الله الحرام وفقط؛ إذ كان المطلع«إلى عرفات الله يا ابن محمد» فيتم تعديله الى «عرفات الله يا خير زائرٍ» بواسطة كوكب الشرق وشاعر الشباب أحمد رامي ولم تقف التعديلات عند ذلك سنشير إليها في مواضعها كلما أمكن.. لقد أحجم أمير الشعراء عن أداء فريضة الحج وأشعل أشواقنا لزيارة البلد الحرام فكيف به لو زارها؟!! أجل..إنه لأمر شديد الإدهاش ؛ إذ كيف استحضر أمير الشعراء روحانية المناسك المقدسة بهذا الشعور الجارف وهذه الدقة البالغة كأنه يراها رأْيَ العين... يلمسها بأنامله، ويملأ صدره بأنفاسها التي خالطتْها أنفاس النبوة والصحابة الأجلاء بل لا نكون مغالين إذا قلنا إن جميع الأنبياء والرسل حجوا البيت وطافوا به؛ ففي حديث طويل وفيه: وأتى آدم إلى البيت فطاف به ومن بعده الأنبياء.
وقد جاء التنصيص على ذكْر موسى ويونس عليهما السلام في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق، فقال: أي واد هذا؟ فقالوا هذا وادي الأزرق، قال: كأني انظر إلى موسى عليه السلام هابطاً من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية، ثم أتى على ثنية هرشى، فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هرشى، قال: كأني أنظر إلى يونس بن متّى عليه السلام على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلية وهو يلبي. رواه مسلم
أجل...صرح شوقي بتخيير الخديوي له ما بين ركوب مطايا البر أو استقلال السفن
(دعاني إليك الصالح (ابن محمد)/ فكان جوابي صالح الدعواتِ)(وخيرني في سابحٍ أو نجيبةٍ /إليك فلم أختر سوى العبراتِ)(وقدمت أعذاري وذلِّي وخشيتي/ وجئت بضعفي شافعا وشكاتي)
فهل كان سبب إحجام أمير الشعراء يكمن في قوله :
(ويا ربِّ،هل تُغْنى عن العبد حَجَّةٌ/ وفى العمر ما فيه من الهفواتِ)
ولعلك تذهب بك الظنون كل مذهبٍ لسابق معرفتك بخطايا الكثيرين من الشعراء وما اشتُهروا به، لكن شوقي يغلق أبواب التكهن في تأويل مفردة «الهفوات»رغم أن كوكب الشرق كانت تعابث جمهورها فمرة تنطقها «الهفوات»ومرة تنطقها«الغفوات» فيدافع عن كريم خصاله وتحمل الأبيات براءة ساحته:
(وتشهد ما آذيت نفسا، ولم أضِرْ / ولم أبغِ فى جهرى ولا خطراتى)(ولا بِتُّ إلا كابن مريم، مشفقا / على حُسَّدى، مستغفرا لعداتى)(وإنى ـ ولا مَنٌّ عليكَ بطاعةٍ / أُجلُّ وأغلى فى الفروض زكاتى)(أبالغ فيها وهى عدلٌ ورحمةٌ / ويتركها النسَّاكُ فى الخلوات)
بل يرى في وطنيته وتقديس حقوق الوطن ودفاعه عنه آية صدق وبرهاناً ساطعاً على كمال إيمانه الذي لا يتم إلا بتأدية حق الوطن في ذلك البيت الرائع :
(ولا حملت نفسٌ هوى لبلادها / كنفسيَ، في فعلي، وفي نفثاتي)

لكنك كلما عاودت قراءة الأبيات التالية لا يمكنك إلا أن يتهدج صوتك وتسيل رغماً عنك العبرات كأنها تمحو ما علق بصحائفك من خفايا الضعف الإنساني أمام الهوى ووساوس الشيطان:

(إِذا زُرتَ يا مَولايَ قَبرَ مُحَمَّدٍ/ وَقَبَّلتَ مَثوى الأَعظَمِ العَطِراتِ)(وَفاضَت مَعَ الدَمعِ العُيونُ مَهابَةً/ لِأَحمَدَ بَينَ السِترِ وَالحُجُراتِ)(وَأَشرَقَ نورٌ تَحتَ كُلِّ ثَنِيَّةٍ/وَضاعَ أَريجٌ تَحتَ كُلِّ حَصاةِ)(لِمُظهِرِ دينِ اللَهِ فَوقَ تَنوفَةٍ / وَباني صُروحِ المَجدِ فَوقَ فَلاةِ)

لقد لحق التعديل الشطر الأول فصار( إِذا زُرتَ بعد البيت قَبرَ مُحَمَّدٍ)لكن لكأني بأمير الشعراء يصف ببصيرته ما لم يره بصرُه..أجل هذا ما حدث لي أنا حقيقة في ليلة السادس والعشرين من رمضان عام 1996 حينما وقفت باكياً في حضرة النبي أهامسه بشكاتي معتذرا عن تقصيري في الالتزام بسنته ، وطبيعي ألا يتركك أفراد الأمن الواقفون لإفساح الطريق للجموع الوافدة فما أن خاطبني أحدهم«طريق يا شيخ » حتى رفعتُ رأسي إليه مُغْضَبا، والدمع ملء العين قائلا بلهجة عاتبة «بلاش أكلمه» فلم يراجعني وتركني قرابة ربع الساعة جالساً جلوس التشهد أهامس النبي صلى الله عليه وسلم وأسأله الشفاعة وأعتذر بعجزي عن معاودة الزيارة إلا إذا..!! ويأتي الختام الذي يبث فيه أمير الشعراء أحزانه على ما آلت إليه أمور المسلمين من التشتت والاختلاف والفُرْقة لقد مر قرابة التسعين عاماً وأكثر فهل كان أحمد شوقي يقرأ من صحائف الغيب حينما قال عن العرب «كَأَصحابِ كَهفٍ في عَميقِ سُباتِ!!» هل كان يصف واقعنا المُخزي مستنكراً ما نحن فيه «..فَما بالُهُم في حالِكِ الظُلُماتِ!!»

(فَقُل لِرَسولِ اللَهِ يا خَيرَ مُرسَلٍ/ أَبُثُّكَ ما تَدري مِنَ الحَسَراتِ)(شُعوبُكَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها/كَأَصحابِ كَهفٍ في عَميقِ سُباتِ)(بِأَيْمانِهِم نورانِ ذِكرٌ وَسُنَّةٌ/فَما بالُهُم في حالِكِ الظُلُماتِ)(وَذَلِكَ ماضي مَجدِهِم وَفَخارِهِم/فَما ضَرَّهُم لَو يَعمَلونَ لِآتي)(وَهَذا زَمانٌ أَرضُهُ وَسَماؤُهُ/مَجالٌ لِمِقدامٍ كَبيرِ حَياةِ)(مَشى فيهِ قَومٌ في السَماءِ وَأَنشَئوا/بَوارِجَ في الأَبراجِ مُمتَنِعاتِ)(فَقُل رَبِّ وَفِّق لِلعَظائِمِ أُمَّتي/وَزَيِّن لَها الأَفعالَ وَالعَزَماتِ)
،