رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

علماء يكتشفون مقبرة حيتان في أعماق المحيط عمرها يتخطى الـ 5 ملايين عام

بوابة الوفد الإلكترونية

عثرت بعثة استكشافية في أعماق البحار على اكتشاف استثنائي أطلق عليه العلماء اسم "مقبرة الحيتان"، وهي منطقة تحوي شبكة معقدة من الأنظمة البيئية النشطة وسط طبقات جيولوجية تعود إلى عصور جيولوجية غابرة. 

اكتشاف مقبرة حيتان عمرها 5 ملايين سنة في أعماق المحيط.. ما القصة؟

يسهم هذا الاكتشاف في إعادة صياغة التصورات حول حدود الحياة في أعماق المحيطات، حيث يقدم الموقع إشارات مميزة لسجل تاريخي يعود إلى ملايين السنين، مما يجعله أعمق وأكبر موقع معروف من نوعه لترسب الحيتان.

نفذ فريق دولي من الباحثين مسحًا دقيقًا لهذا الموقع باستخدام الغواصة الصينية "فندوزي" خلال 32 عملية غوص استكشافية، غطت مساحة امتدت على نحو 1200 كيلومتر وفي أعماق تراوحت بين 4616 و7001 متر.

 وتمكن الفريق من توثيق خمس جثث لحيتان ما زالت تدعم أنظمة بيئية مليئة بالكائنات الحية، إلى جانب العثور على 476 هيكلًا عظميًا متحجرًا. 

وتشير التحليلات الأولية إلى أن بعض هذه الهياكل يعود إلى العصر البليوسيني المبكر قبل نحو 5.3 ملايين سنة، مما يوسع الفهم العلمي لعمر هذه الواحات البحرية العميقة.

 

تعتبر بقايا الحيتان المتحللة التي تستقر في أعماق المحيط مصادر غذائية نادرة، لكن غنية بالمغذيات، في بيئة تقل فيها الموارد بشكل كبير. ومن اللافت أن الحيتان المتحللة المكتشفة مؤخرًا تحتضن أعمق الأنظمة البيئية النشطة التي تم تسجيلها على جثث الحيتان، حيث توسع الحدود المعروفة لهذه الظاهرة إلى أعماق غير مسبوقة تتجاوز 2500 متر مقارنة بالدراسات السابقة.

 

كانت البقايا في المرحلة الكبريتية، مُغطاة بديدان أوسيداكس آكلة العظام وحصائر من البكتيريا. وقد حدّد العلماء 35 نوعًا من الكائنات الحية الكبيرة المُحيطة بها، يبدو أن معظمها جديد على العلم. سيطرت نجوم البحر الهشة، والمحاريات ثنائية الصدفة المُتكافلة كيميائيًا، والقواقع المفترسة على المشهد، حيث وصلت بعض البقع إلى كثافات استثنائية بلغت 2840 فردًا لكل متر مربع.

 

ولأول مرة، لُوحظت زهور البحر، وهي شوكيات جلد صغيرة قرصية الشكل توجد عادةً على جثث الأشجار المتساقطة والفتحات الحرارية المائية، وهي تنمو بكثافة على هيكل عظمي لحوت، وفي أعمق نقطة سُجّلت على الإطلاق لجنسها.

 

قال الدكتور شياوتونغ بنغ، المؤلف الرئيسي للدراسة من الأكاديمية الصينية للعلوم: "لقد اكتشفنا موقعًا ضخمًا للأحافير في أعماق البحار، يُغيّر جذريًا نظرتنا إلى عمق واستمرارية مجتمعات الحيتان النافقة. تُشكّل هذه الجثث واحاتٍ للتنوع البيولوجي حيث يندر الغذاء بشكلٍ كبير، وتُقدّم البقايا المتحجرة نافذةً غير مسبوقة على ملايين السنين من تطور الحيتان"، وفق ما ذكرت مجلة نيتشر.

 

تبدو الأدلة الأحفورية وكأنها متحفٌ للحيتان الغاطسة في الأعماق. فقد حدّد علماء الحفريات ستة أنواعٍ مختلفة من بين 43 جمجمةً وعظمةً تمّ استخراجها، بما في ذلك حوت أندروز ذو المنقار والحوت ذو الأسنان الشريطية اللذين لا يزالان على قيد الحياة، بالإضافة إلى أقارب منقرضة.

وكشف تحليل نظائر السترونتيوم لعينات عظام سليمة عن أعمار تتراوح بين 0.12 مليون و5.26 مليون سنة، مما يدل على تراكم جثث الحيتان هنا باستمرار منذ أوائل العصر البليوسيني.

 

كيف تشكلت تحت الماء؟

يكمن الجواب في مزيج من الظروف البيولوجية القاسية والجيولوجيا الفريدة. تُعد حيتان منقار الزجاجة من بين الثدييات الغاطسة في أعماق البحار، حيث تغوص بانتظام إلى ما يزيد عن 1000 متر لاصطياد الحبار. تعمل تضاريس منطقة ديامانتينا على شكل حرف V كقمع، حيث تحجز الحيوانات التي تموت بشكل طبيعي وتلك التي تستسلم لمرض تخفيف الضغط أو الإرهاق بعد الغوصات العميقة.

حتى الحيتان المهاجرة التي تتغذى على السطح - مثل حوت المنك القطبي الجنوبي الذي تم رصده في الموقع - تسهم في هذا التراكم عندما تنفق على طول هذا الممر المحيطي. يصل التركيز الناتج إلى 759.5 من بقايا الحيتان لكل كيلومتر مربع، مما يشكل ما يسميه الباحثون "ممرًا فائقًا لتجمعات الحيتان النافقة".

 

يُرجّح أن هذه السمة الجغرافية الحيوية الشاسعة تُتيح للأنواع التي تعتمد على الكبريتيدات التنقل بين البؤر الساخنة البعيدة في أعماق البحار، رابطةً بين مواقع غرق الحيتان والفتحات الحرارية المائية والينابيع الباردة عبر المحيط الجنوبي.

يعود الفضل في الحفاظ المذهل على هذه الأحافير إلى كثافة عظام منقار الحيتان المنقارية الفائقة - التي تُعدّ من بين أصلب المواد البيولوجية المعروفة - ومعدل الترسيب البطيء للغاية الذي يسمح للهياكل العظمية بالبقاء مكشوفة على قاع البحر لآلاف السنين. ومع مرور الوقت، تُغطى هذه العظام بأكاسيد الحديد والمنغنيز الواقية، مُشكّلةً أرشيفًا أحفوريًا طبيعيًا لا مثيل له في البيئات الأرضية.

تُغيّر مقبرة منطقة ديامانتينا فهمنا لأعماق المحيط من فراغ قاحل إلى مسرح ديناميكي مترابط للحياة والتطور. مع تقدم تقنيات الاستكشاف، قد نكتشف مقابر حيتان غنية بالأحافير مماثلة في مواطن حيتان منقارية أخرى حول العالم، واعدةً بالكشف عن المزيد حول الحياة الخفية - وموت - هذه الثدييات على كوكبنا.

في الوقت الراهن، تقف هذه المقبرة القديمة تحت المحيط الهندي شاهدًا قويًا على أن أعماق البحار لا تزال تخفي أسرارًا تنتظر أن تُغير نظرتنا إلى الحياة على الأرض.