مراجعات
عندما نستقبل العام الهجري الجديد 1448هـ، تبدو الحاجة مُلِحَّة إلى ترسيخ هذا التأريخ في الوعي الجمعي، خصوصًا لأبنائنا وصغارنا، ليكون شاهدًا وحاضرًا في احتفالاتنا ومناسباتنا، إلى جانب «التقويم الميلادي».
لذلك يجب تعليم الأجيال الجديدة أن ارتباط التأريخ الإسلامي بالهجرة النبوية لم يكن أمرًا عابرًا، بل نقطة تحول كبرى في مسيرة الإسلام، إذ شكَّلت بداية الظهور الفعلي للدعوة، ومنطلقًا لحضارة أثْرَت الإنسانية بالفكر والعلم والعطاء والتضحيات.
ومع كل تلك المعاني التي يمكن استلهامها من الهجرة الشريفة، واستثمار دروسها في واقعنا الراهن، فلا أقل من أن تكون بداية كل عام هجري، موعدًا للتذكير بحدث استثنائي، تتجاوز دلالاته حدود الزمان والمكان، وينطلق من الإيمان والعزيمة وحُسن التدبير، ليقدم للإنسان نموذجًا فريدًا في مواجهة التحديات وصناعة التغيير.
بكل أسف، أصبح الكثيرون في عالمنا اليوم ـ بما يحمله من أزمات وتحديات وضغوط ومتغيرات متسارعة ـ يبحثون عن بيئات أخرى، تحفظ كرامتهم وتمكِّنهم من تحقيق ذواتهم، وهنا تتجلى القيمة المتجددة للهجرة النبوية، كدرسٍ عمليٍّ في الشجاعة الحقيقية، واتخاذ القرار الصحيح، حنى لو كان محفوفًا بالمخاطر والتضحيات.
لقد أدرك «الرسول الأعظم محمد» أن رسالته لن تؤدي دورها الكامل في بيئة محاصَرة، لتأتي الهجرة كخطوة مفصلية وفارقة في بناء مجتمع جديد يقوم على التعاون والعدل واحترام الإنسان، وهو ما يؤكد أن التقدم لا يتحقق بمجرد النقمة من واقعٍ مريرٍ، بل بالعمل الجاد على تغييره.
الآن ـ وفي ظل ما نعيشه في عالم تتسع فيه مظاهر الظلم والقهر وهيمنة القوة ـ تبقى هجرة «النبي الخاتم محمد» انتصارًا للقيم والحق والكرامة الإنسانية، قبل أن تكون انتقالًا جغرافيًا، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بالمكان الذي يُولد أو يعيش فيه، بل بالمبادئ التي يحملها ويدافع عنها.
لعل من أعظم الدروس التي رسختها تلك المناسبة الخالدة أهمية التخطيط الواعي للمستقبل، حيث إنه رغم الثقة المطلقة بالله تعالى، أخذ «رسولنا المصطفى» بكل أسباب الإعداد والتنظيم والاختيار الدقيق للوقت والمسار، للتأكيد على أن الإيمان الحقيقي لا يتعارض مع التخطيط الاستراتيجي، وإنما يمنحه بُعدًا أخلاقيًّا وغاية سامية.
إذن، ليس المطلوب مجرد استحضار تفاصيل الهجرة المباركة، بل استلهام روحها ومعانيها العميقة، خصوصًا أن لكل إنسان هجرته الخاصة، سواء أكانت من اليأس إلى الأمل، أو من السلبية إلى المبادرة، أو من التردد إلى الإنجاز، أو من الأنانية إلى خدمة المجتمع، لتمنح الإنسان قدرة أكبر على التكيف مع المتغيرات وصناعة مستقبله بإرادته الحرة.
أخيرًا.. تظل الهجرة النبوية الشريفة حدثًا خالدًا فريدًا ودرسًا إنسانيًّا متجددًا، يؤكد أن الأمم والأفراد لا يصنعون مستقبلهم بالانتظار، وإنما بالإرادة والعمل، وبالقدرة على الانتقال من بؤس الواقع إلى سعة الأمل، ومن العجز إلى الإنجاز، ومن التحديات إلى الفرص.
فصل الخطاب:
ليست الهجرة تغيير مكانك فحسب، بل أن ترتقي بقِيَمِك وأخلاقك، وتُغادر ما يُعوقك، من واقع بائس ومُحْبِط، إلى مستقبل يليقُ بكَ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض