أخيرًا شاهدت فيلم "الست" فى أول أيام العيد، عرض تليفزيونى، بعيدًا عن أى تأثيرات صاحبت عرضه الأول، وربما كانت المشاهدة الهادئة بعد انطفاء ضجيج السوشيال ميديا أكثر إنصافًا للعمل، لأنها تمنح المتفرج فرصة للتأمل بعيدًا عن معارك التأييد والهجوم، وصراع من يملك الصوت الأعلى لا الرؤية الأعمق.
فى أوقات كثيرة تتحول الأعمال الفنية الكبرى إلى ساحة صخب، ينشغل فيها الناس بالمواقف أكثر من العمل نفسه، فيصبح السؤال: هل أنت مع الفيلم أم ضده؟ بينما السؤال الحقيقى: ماذا قال الفيلم؟ وكيف قاله؟
لهذا جاءت مشاهدة «الست» بالنسبة لى محاولة لرؤية العمل بعيدًا عن زحام الأحكام السريعة، خاصة أن الأعمال التى تتناول شخصية بحجم أم كلثوم لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد فيلم عادى، لأننا أمام رمز فنى يعيش داخل الوجدان العربى، وكل مشاهد يحمل بداخله “أم كلثوم الخاصة به”، التى تربى على صوتها وحكاياتها وصورتها.
وربما لهذا السبب بدا الجدل حول الفيلم طبيعيًا، لأن الاقتراب من أسطورة دائمًا يثير الحساسية والانقسام، لكن بعيدًا عن كل ذلك، يظل الأهم أن الفيلم نجح فى إعادة فتح النقاش حول رحلة أم كلثوم الإنسانية والفنية، وأنه أعاد تقديمها لجيل جديد بلغة سينمائية معاصرة، حتى لو اختلف البعض حول تفاصيل الاختيار أو المعالجة أو الموسيقى.
مشاهدة فيلم «الست» ليست مجرد متابعة لعمل سينمائى عن سيدة الغناء العربى أم كلثوم، بل هى محاولة للدخول إلى رحلة طويلة من التحدى والصعود، رحلة بدأت من الموالد والأفراح الشعبية، وانتهت بصوت تهتف له العواصم العربية والعالمية.
منذ المشاهد الأولى، يدرك المتفرج أن المخرج مروان حامد اختار أن يقترب من روح الحكاية أكثر من انشغاله بالتوثيق التقليدى. لذلك جاء الفيلم فى شكل محطات سريعة ومكثفة، يمر على النشأة والغناء فى المناسبات الدينية والأفراح، ثم ينتقل إلى القاهرة، حيث بدأت ملامح التحول الحقيقى فى حياة الفتاة القادمة من الريف.
أكثر ما يلفت الانتباه فى الفيلم هو قدرته على التقاط اللحظات الفارقة فى حياة أم كلثوم دون إغراق فى التفاصيل. مشهد «كازينو البوسفور» مثلًا لم يكن مجرد لقطة عابرة، بل كان إعلانًا مبكرًا عن الصدام بين البيئة المحافظة التى جاءت منها، والعالم الجديد الذى فُرض عليها أن تواجهه كى تصبح نجمة.بجملة على لسان والدها
«جايبنا نغنى وسط سكارى».. جملة تختصر الصدمة الأولى، وتكشف حجم الرحلة النفسية والاجتماعية التى خاضتها أم كلثوم قبل أن تصبح “الست”.
الفيلم أيضًا نجح فى إبراز التحول البصرى والإنسانى الأهم فى حياتها، حين قررت ابنة شمس باشا تغيير ملابسها،فى الوقت الذى كادت فيه أن تترك قصر الباشا ، لو اكتمل خروجها ربما تعرضت لازمة نفسية تجعلها تترك القاهرة عائدة إلى بلدتها، لكن جاءت ابنة شمس باشا و تقوم بدورها أمينة خليل ،لتنتقل معها أم كلثوم ، من الفتاة التى ترتدى زىّ الصبيان وتنشد المدائح الدينية، إلى “الآنسة أم كلثوم”.
هذه اللحظة فى تقديرى ليست مجرد تغيير ملابس أو “لوك” جديد، بل كانت لحظة ميلاد فنى كامل، لحظة إعلان انتقالها من مرحلة المنشدة إلى المطربة التى ستغنى للحب والعاطفة والحياة.
ومن النقاط الذكية فى السيناريو، المرور على شخصيات كان لها تأثير مباشر فى تشكيل مشروع أم كلثوم الفنى، وعلى رأسهم أحمد رامي الذى تولى عملية تثقيفها وصناعة وعيها الثقافى واللغوى، وكذلك محمد القصبجي الذى كان أحد أهم مفاتيح تطورها الموسيقى.
لكن رغم ذلك، يبقى غياب اسم الشيخ أبو العلا محمد أمرًا يصعب تجاهله، لأنه من وجهة نظرى كان صاحب التأثير الأخطر فى حياتها الفنية، فهو الذى نقلها من مجرد منشدة تمتلك الصوت، إلى مطربة تعرف كيف تشعر بالكلمة وتعيشها وتوصلها للجمهور أى انه شارك فى مرحلة البناء الغتائى لأم كلثوم.
وعلى مستوى الغناء، تبدو واحدة من أكثر المناطق الجديرة بالنقاش هى اختيار الأصوات التى أدت شخصية أم كلثوم فى مراحلها المختلفة.
فالطفلة التى غنت لأم كلثوم فى سنواتها الأولى كان اختيارها ليس موفقًا لأن هذه المرحلة تحديدًا كانت تحتاج صوتًا من طبيعة المدّاحين، صوتًا قويًا رخيمًا جَهوريًا قادرًا على ملء المكان دون ميكروفون، وهو ما كان يميز أم كلثوم الصغيرة فى بداياتها داخل الموالد والساحات الشعبية.
هذا الاختيار لابد و ان يعطى إحساسًا حقيقيًا ببيئة النشأة، لأن أم كلثوم فى طفولتها لم تكن مجرد طفلة تغنى، بل كانت صاحبة صوت استثنائى قادر على إشباع الناس طربًا وسط الزحام والضجيج.
أما فى مرحلة الشباب، فقد قامت نسمة محجوب بالأداء الغنائى، وهنا تنقسم الآراء.
صوت نسمة محجوب يمتلك قدرات فنية كبيرة بلا شك، لكنه فى تقديرى لا يشبه البناء الصوتى الخاص بأم كلثوم، ولا يحمل نفس الكثافة الشرقية الثقيلة التى ارتبطت بسيدة الغناء العربى.
وربما هنا أراد مروان حامد الخروج عن المألوف، والابتعاد عن الاختيارات المتوقعة التى كان يمكن أن تذهب إلى أصوات قريبة من روح أم كلثوم مثل مي فاروق أو ريهام عبد الحكيم أو آمال ماهر، وهى أصوات تمتلك فى تكوينها مناطق أداء أقرب إلى المدرسة الكلثومية.
لكن اللعب فى منطقة الغناء يظل شديد الخطورة، لأن المتفرج قد يتسامح أحيانًا مع نصف أداء تمثيلى، لكنه لا يتسامح بسهولة مع الصوت، فالغناء أما سليم أو ليس كذلك، خاصة حين تكون الشخصية بحجم أم كلثوم.
ومن المشاهد الذكية جدًا فى الفيلم، مشهد تسجيل أم كلثوم داخل الأستوديو، حين ظل مهندس الصوت يطلب منها الابتعاد عن الميكروفون أكثر من مرة.
هذا المشهد لم يكن مجرد تفصيلة تقنية، بل كشف بذكاء قيمة وقوة صوت أم كلثوم الحقيقية، فنحن أمام مطربة خرجت من زمن لم يكن يعرف الميكروفونات الحديثة ولا تقنيات التضخيم الصوتى، صوت تشكل فى الموالد والساحات والأفراح المفتوحة، ولذلك كان صوتًا جَهوريًا قادرًا على الوصول إلى آخر صف دون أى وسائط.
المشهد أيضًا أعاد التذكير بالفارق بين مطرب يولد من رحم الأداء الحى أمام الناس، وبين مطرب تصنعه التكنولوجيا الحديثة داخل غرف التسجيل.
أم كلثوم كانت تنتمى إلى جيل يملك خامة صوتية استثنائية بطبيعتها، حتى إن الأجهزة نفسها كانت أحيانًا عاجزة عن استيعاب قوة هذا الصوت.
وهنا نجح الفيلم فى تقديم معنى مهم للغاية، وهو أن سر أم كلثوم لم يكن فقط فى الإحساس أو الثقافة أو اختيار الكلمات، بل فى هذه الآلة الربانية النادرة التى امتلكتها، صوت قادر على الجمع بين القوة والدفء والهيبة فى آن واحد.
،
و هناك دراسة مهمة قام "المعهد القومى للقياس و المعايرة"فى مصر ،بتجربة فريدة و مثيرة عام1971.استعان فيها بألفين من الاسطوانات، التى سجل عليها المطربون و المطربات أغانيهم من نصف قرن من الزمان -بهدف وضع سلم الموسيقى العربية على أساس علمى.و قد جاءت فى نتائج التجربة : أن صوت أم كلثوم هو أكثر الأصوات ضبطا، لأن معادلته الرياضية تكاد تتطابق مع المعادلة الرياضية للسلم الموسيقى الطبيعى. و أثبتت الاجهزة أن أن ترددات صوت أم كلثوم تبلغ 3997.5 ذبذبة فى الثانية الواحدة ،و كان الصوت الثانى بعدها الشيخ محمد رفعت تلاه صالح عبد الحى.
و صوت أم كلثوم مساحته من الدرجات الموسيقية يمكن قياسها بأوكتافين "ست عشرة نغمة" على حسب ما ذكرت الكتب العلمية .
و بحكم حفظها للقرآن الكريم اكتسبت خبرة تجعلها قادرة على إعطاء كل كلمة و كل حرف ما ينبغى من النطق.
فالغناء هنا ليس مجرد أداء، بل ذاكرة سمعية راسخة داخل وجدان أجيال كاملة، ولذلك كان الأمر يحتاج ربما إلى الاستعانة بمتخصصين أكثر فى اختيار الصوت المناسب للمشاركة فى العمل،يناسب هذا الصوت الفريد من نوعة و قوته و احساسه و بنائه، وفقا لما ذكرته الدراسات التى أجريت على صوت كوكب الشرق عبر مراحلها العمرية، هنا اتذكر ان الموسيقار الكبير عمار الشريعى رحمة الله عليه، عندما أراد اختيار صوت لاداء شخصية أم كلثوم فى المسلسل فى مرحلة الطفولة اختار ريهام عبد الحكيم لاداء مرحلة الطفولة و الصبا ، و كان المسلسل نقطة انطلاق حقيقية لريهام بعد كورال أطفال الأوبرا الذى كام يقودة المايسترو سليم سحاب، وقتها كان صوت ريهام ملائم جدا و غنت باسلوب المشايخ بتمكن .
على الجانب الموسيقى، تبدو الملاحظات أكثر وضوحًا.
الموسيقى التصويرية التى وضعها هشام نزيه بدت أحيانًا بعيدة عن روح عالم أم كلثوم. هناك شعور بالغربة الموسيقية فى بعض المناطق، وكأن العمل اختار أحيانًا الذهاب إلى الحداثة على حساب الطرب الكلاسيكى الذى كان يستحق مساحة أكبر.
كما أن إدخال موسيقى ارتجالية على تتر النهاية الذى استخدم فيه أغنية «ألف ليلة وليلة» لم يكن موفقًا بالنسبة لى، خاصة أن تراث أم كلثوم الموسيقى لا يحتاج إلى إضافات بقدر ما يحتاج إلى إعادة تقديم ثرائه بحس معاصر يحافظ على روحه الأصلية.
وفى هذه النقطة تحديدًا، حضرت إلى ذهنى ايضا تجارب موسيقية شديدة الثراء مثل ما قدمه الموسيقار عمار الشريعي فى «حليم» ومسلسل «أم كلثوم»، حيث كانت الموسيقى سواء أعمال حليم فى الفيلم أو أعمال أم كلثوم فى المسلسل، ،جزءًا من الوجدان الدرامى لا مجرد خلفية مصاحبة للصورة لذلك لم نشعر بغربة فى العملين.
أداء منى زكي، فقد بدا مقنعًا فى مناطق كثيرة من العمل.
هى لم تسع إلى تقليد أم كلثوم حرفيًا، بقدر ما حاولت الإمساك بروح الشخصية وطريقة حضورها وهيبتها الداخلية، وهذه نقطة تحسب لها، لأن تقليد شخصية بحجم أم كلثوم قد يتحول بسهولة إلى فخ كاريكاتيرى لو فقد الممثل إحساسه الداخلى بالشخصية.
و اذا انتقلنا الى نقطة اخرى فى الفيلم نجد أنه تعامل بذكاء مع الجانب السياسى فى حياة أم كلثوم، بداية من الهتافات الوطنية، حفلات التبرع للمجهود الحربى، وصولًا إلى مشهد الغناء على مسرح أولمبيا فى باريس، ذلك المشهد الذى بدا وكأنه تتويج لرحلة كاملة من الكفاح.
هناك، لم تعد أم كلثوم مجرد مطربة مصرية، بل أصبحت صوتًا للعرب جميعًا، وسط جمهور عربى اشبه بجامعة الدول العربية، جمهور يمثل كل البلاد العربية تقريبا مصر، الجزائر،تونس، الخليج يهتف لمصر ولفلسطين، فى حضور دبلوماسى عربى و غربى و سفراء بحجم سفيرى الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا إلى جانب حضور ثقافى و فنى كبير.
حمل مشهد اتصال الرئيس جمال عبد الناصر بالسفير المصرى للاطمئنان عليها، دلالة مهمة على إدراك الدولة المصرية على مر العصور لقيمة الفن والقوة الناعمة، وكيف يمكن لصوت واحد أن يتحول إلى مشروع وطنى وقومى.
ورغم أى ملاحظات، يبقى «الست» عملًا مهمًا، لأنه لم يقدم أم كلثوم باعتبارها أسطورة بعيدة عن الناس، بل باعتبارها رحلة إنسانية شاقة، بدأت من الريف والموالد والأفراح، وانتهت بصوت ما زال العالم يسمعه حتى اليوم.
فالسينما هنا لم تكن فقط وسيلة لسرد السيرة، بل محاولة للإجابة عن سؤال أكبر:
كيف تتحول فتاة بسيطة جاءت إلى القاهرة خائفة ومرتبكة، إلى رمز فنى يجتمع حوله العرب جميعًا؟
ربما لهذا السبب يظل فيلم «الست» تجربة تستحق المشاهدة والنقاش، حتى مع اختلاف الآراء حول بعض تفاصيلها، لأنه أعاد طرح أم كلثوم على شاشة السينما لا كصوت فقط، بل كحكاية وطن كامل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
