الزاد
ما يحدث فى الدلتا الجديدة ليس مجرد مشروع زراعى، بل ملحمة بناء خاضتها الدولة ضد تحديات الطبيعة والجغرافيا من أجل مستقبل مختلف لمصر.
ولهذا كانت رسالة الرئيس واضحة: الإنجاز وحده لا يكفى.. الناس لابد أن تعرف حجم الجهد الذى بُذل كى تولد هذه المعجزة على أرض الواقع.
إضافة ٢ مليون فدان، ومحطات عملاقة لمعالجة مياه الصرف الزراعى، وشبكات نقل ورفع للمياه تمتد فى قلب الصحراء، ومئات الشركات التى تعمل على مدار الساعة، وملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.. كل ذلك لم يعد مجرد كلام أو مخططات على الورق، بل واقع رأيناه بأعيننا.
ما يحدث هناك ليس مشروعًا عاديًا، بل معركة بناء حقيقية خاضتها الدولة بإرادة وعلم وتخطيط ومتابعة وتنفيذ، ولذلك جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال افتتاح المشروع كاشفة لحجم ما بُذل من جهد، خاصة حين تحدث عن الفارق بين ما قام به محمد على قبل نحو ٢٠٠ عام، وبين ما تقوم به الدولة اليوم.
الرئيس أوضح أن محمد على اعتمد وقتها على الطبيعة نفسها، فكانت المياه تتحرك عبر الترع والمصارف بانسياب طبيعى من المرتفع إلى المنخفض، دون الحاجة إلى محطات رفع أو كهرباء أو معدات ضخ عملاقة.
أما اليوم، فالدولة تعمل عكس الطبيعة تقريبًا، بعدما اضطرت لاستصلاح أراضٍ صحراوية بعيدة عن مصادر المياه التقليدية، وهو ما استلزم إنشاء مسارات خاصة لنقل المياه، ومحطات معالجة ورفع تُعد من الأكبر فى المنطقة.
وهنا تتجلى قيمة المشروع الحقيقية، ليس فقط فى استصلاح ملايين الأفدنة، بل فى حجم الإرادة التى واجهت التحديات الطبيعية والهندسية والاقتصادية حتى يتحول المستحيل إلى واقع.
الأهم من ذلك كله، أن الرئيس توقف أمام نقطة شديدة الأهمية عندما قال:
"مهم قوى الناس تعرف إن المشروع ده علشان يتعمل.. وهو مشروع كبير قوى".
هذه الجملة فى تقديرى كانت رسالة واضحة تتجاوز حدود المشروع نفسه، لتؤكد أن هناك رغبة لدى الرئيس فى شرح حجم ما يتم على الأرض للرأى العام.
فالإعلام ليس مجرد نقل خبر أو إذاعة تصريحات، بل دوره الحقيقى أن يشرح للناس كيف تُبنى الدولة، وكم الجهد الذى يُبذل من أجل المستقبل، وكم الأموال والعمل والتخطيط الذى يقف خلف هذه المشروعات العملاقة.
الرئيس تحدث أيضًا عن قضية فى غاية الذكاء تتعلق بإدارة الموارد الزراعية، حين أشار إلى الاستعانة بخبراء لتحديد نوعية المحاصيل الأنسب لكل أرض.
فإنتاج البنجر فى الأراضى الصحراوية ـ كما قال ـ يحقق ضعف إنتاجه فى الأراضى الطينية، بينما القمح يحقق إنتاجية أفضل فى الأراضى الطينية، وهو ما يعنى أن الدولة لا تتحرك بعشوائية، بل وفق رؤية علمية تستهدف تعظيم الإنتاج وتحقيق أفضل استغلال للموارد.
كما أن المياه التى كانت تُهدر فى البحر المتوسط أصبحت اليوم تُعالج وتُنقل للاستفادة منها فى الزراعة، فى واحدة من أكبر عمليات إعادة استخدام المياه فى تاريخ مصر، وهو إنجاز لا يقل أهمية عن استصلاح الأرض نفسها.
للأسف، فى الوقت الذى تُخاض فيه هذه المعارك التنموية العملاقة، نجد جزءًا من الإعلام منشغلًا بتفاصيل انتقال لاعب من نادٍ إلى آخر، أو أزمة تحكيم أو خلاف رياضى، بينما لا تحصل مشروعات بهذا الحجم على المساحة الكافية من الشرح والتحليل والتوثيق.
ليس المطلوب تجاهل الرياضة، لكنها لا يجب أن تتحول إلى القضية الوحيدة، بينما هناك إنجازات تعيد رسم خريطة مصر الزراعية والاقتصادية وتوفر ملايين فرص العمل المستقرة لأبناء هذا الوطن.
الدلتا الجديدة ليست مجرد مشروع زراعى، بل رسالة تؤكد أن الدولة المصرية تتحرك فى كل الاتجاهات، وأن هناك من يفكر ويخطط للمستقبل وسط ظروف إقليمية واقتصادية شديدة التعقيد.
ولذلك فإن نقل الحقيقة كاملة للناس أصبح مسؤولية وطنية، لأن المواطن من حقه أن يعرف ماذا يحدث على أرض بلده، وكيف تتحول الصحراء إلى حياة، وكيف تُصنع الفرص، وكيف يُبنى المستقبل.
وربما تبقى جملة الرئيس:
"لازم توضحوا للناس كم المجهود الذى بُذل"
هى العنوان الأصدق للمشهد كله.. لأن الإنجاز العظيم إذا لم يصل إلى الناس بالصورة التى تليق به، يصبح الإعلام شريكًا فى غياب الوعى بالصورة الكاملة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض