رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى



أستمتع كثيرًا بالكتابة عن البطولات القديمة، والإذاعات التى كانت تملأ البيوت دفئًا، والأماكن التى تحمل داخلنا حكايات لا تموت. هناك أشياء لا تمر فى حياتنا مرورًا عابرًا، بل تتحول مع الوقت إلى جزء من ذاكرتنا الإنسانية والوجدانية. نعم، عشنا مع بوريس بيكر وشتيفي جراف وإيفان ليندل وجون ماكنرو وكريس إيفرت حكايات ليست كالحكايات، وكلمات ليست كالكلمات، وأيامًا كان فيها للشغف طعم مختلف.
من منا لم يعلق صورة أحد هؤلاء النجوم داخل غرفته يومًا ما؟ ومن منا لم يحتفظ بصورة لهم بين دفاتر الذكريات أو صفحات المجلات القديمة؟ كانوا بالنسبة لنا أكثر من مجرد لاعبين، كانوا أبطالًا ننتظر ظهورهم بشغف، ونحفظ ملامحهم وحركاتهم وتعليقات المذيعين عليهم كما نحفظ تفاصيل أيامنا الجميلة.
وربما لذلك ظلت بطولة رولان جاروس أكثر من مجرد بطولة تنس فى وجداننا؛ كانت حلمًا جميلًا جاء مع الطفولة، ثم كبر معنا عامًا بعد عام، وظلت ملاعبها الترابية الحمراء تحمل إلينا رائحة زمن كان أكثر هدوءًا وبراءة، زمن كان فيه التليفزيون يصنع الثقافة والبهجة معًا.
رولان جاروس.. أحد البطولات الأربع الكبرى  "جراند سلام" التي تقام باستراليا وفرنس وانجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، التى تعدأسطورة الملاعب الترابية وذاكرة زمن لا يُنسى
عندما كنت أستمع إلى صوت المعلق الكبير عادل شريف، صلحب مفرادات ساحقة ماحقة، كرة قصيرة مكيرة  والآس هو ضربة الإرسال التي لا تُصَدُّ ولا تُرَدُّ وتَكَادُ لا تُرَى من فَرْطِ سرعتها، وكذلك الألقاب التي أطلقها على اللاعبين مثل "الإعصار القادم من الشمال" و"بوم بوم" وجبل الجليد" و"إيفان الرهيب"، نعم كانت كلماته و مفرداته توثق الحدث.
عندما كنت اسمعه، أدرك أن الأمر أكبر من مجرد مباراة تنس تُنقل عبر شاشة التليفزيون، بل موعد مع عالم مختلف يحمل الرقى والهدوء والذوق الرفيع. كان صوته الأنيق وتعليقاته الرشيقة يمنحان البطولة هيبة خاصة، حتى أصبح اسم «رولان جاروس» بالنسبة لجيل كامل مرادفًا للبهجة والثقافة والمتعة، وليس مجرد حدث رياضى عابر.
فى ذلك الزمن، كان التليفزيون المصرى نافذة حقيقية على العالم، ينقل البطولات الكبرى ويصنع وجدان الناس. عرفنا من خلاله كأس العالم، وبطولات أوروبا، وعشقنا رياضات لم تكن منتشرة بالشكل الحالى، وعلى رأسها التنس. ومن رولان جاروس تحديدًا بدأت علاقتنا بأسماء تحولت مع الوقت إلى أساطير خالدة فى ذاكرة الرياضة العالمية؛ عرفنا بوريس بيكر صاحب الضربات العنيفة الذى كانوا يلقبونه بـ«بوم بوم»، وعرفنا شتيفي جراف بأناقتها فوق الملعب، ثم أندريه أجاسي بشخصيته المختلفة، وإيفان ليندل الذى كان يبدو دائم الجدية كأنه لا يعرف الابتسام، قبل أن تأتى أجيال أخرى صنعت تاريخًا جديدًا للبطولة، وفى مقدمتها أسطورة الملاعب الترابية رافائيل نادال.
لكن رولان جاروس ليست مجرد بطولة رياضية، بل حكاية ممتدة عبر أكثر من قرن، تبدأ من فرنسا فى نهايات القرن التاسع عشر، عندما أُقيمت أول نسخة من البطولة عام 1891 تحت اسم «بطولة فرنسا للتنس على الملاعب الترابية». وقتها لم تكن البطولة مفتوحة للعالم كما نعرفها اليوم، بل كانت مقتصرة على أعضاء الأندية الفرنسية فقط، وأقيمت مبارياتها الأولى على ملاعب «فرانسيسك كلوب»، وكانت المنافسات للرجال وحدهم، قبل أن تُضاف منافسات السيدات بعد سنوات قليلة.
ومع اتساع شعبية اللعبة، بدأت البطولة تخرج تدريجيًا من الإطار المحلى إلى العالمية، حتى جاء عام 1925 الذى يمثل نقطة تحول كبرى فى تاريخها، حين قرر الاتحاد الفرنسى للتنس فتح باب المشاركة أمام اللاعبين الأجانب، لتولد رسميًا بطولة فرنسا المفتوحة، أو الـFrench Open، وتبدأ رحلتها نحو العالمية.
فى تلك الفترة كانت فرنسا تعيش عصرًا ذهبيًا فى اللعبة، بفضل مجموعة اللاعبين الذين أطلق عليهم «الفرسان الأربعة»، وهم هنري كوشيه ورينيه لاكوست وجان بوروترا وجاك برونيون، الذين قادوا فرنسا للفوز بكأس ديفيز عام 1927، وهو الإنجاز الذى دفع السلطات الفرنسية لبناء ملعب جديد يليق بمكانة الأبطال.
ومن هنا ظهر اسم «رولان جاروس». لم يكن رولان لاعب تنس، بل كان الطيار الفرنسى الشهير رولان جاروس، أحد رواد الطيران فى العالم، والذى حقق إنجازًا تاريخيًا عام 1913 عندما أصبح أول إنسان يعبر البحر المتوسط جوًا دون توقف. وبعد سنوات قُتل خلال الحرب العالمية الأولى، فقرر الفرنسيون تخليد اسمه بإطلاقه على المجمع الرياضى الجديد الذى احتضن البطولة منذ عام 1928، ليصبح الاسم لاحقًا واحدًا من أشهر الأسماء الرياضية فى العالم.
وربما ما يمنح رولان جاروس سحرها الخاص أنها البطولة الكبرى الوحيدة التى تُقام على الملاعب الرملية الحمراء. تلك الأرضية المختلفة التى تُبطئ حركة الكرة وتجعل المباريات طويلة ومرهقة، لذلك ينظر إليها اللاعبون باعتبارها الاختبار الأصعب فى عالم التنس. هنا لا تكفى الموهبة وحدها، بل يحتاج اللاعب إلى صبر نفسى ولياقة بدنية وقدرة تكتيكية هائلة، ولهذا فشل كثير من النجوم الكبار فى الفوز بها رغم نجاحهم فى بطولات أخرى، مثل جون ماكنرو وبيت سامبراس وبوريس بيكر.
ومثلما صنعت البطولة أساطير الرجال، صنعت أيضًا نجمات خالدات فى ذاكرة اللعبة. كانت سوزان لينغلين أول نجمة حقيقية للتنس النسائى بعدما فرضت هيمنتها فى عشرينيات القرن الماضى، ثم جاءت لاحقًا كريس إيفرت التى مازالت تحمل الرقم القياسى للسيدات بسبعة ألقاب، إلى جانب مارتينا نافراتيلوفا وشتيفي جراف وجوستين هينين.
توقفت البطولة بين عامى 1940 و1945 بسبب الحرب العالمية الثانية، لكنها عادت أقوى بعد الحرب، قبل أن تشهد التحول الأكبر فى تاريخها عام 1968 عندما أصبحت أول بطولة كبرى تدخل عصر الاحتراف، فاتحة الباب أمام مشاركة اللاعبين المحترفين، وهو القرار الذى غيّر وجه التنس العالمى بالكامل.
ومع مرور السنوات توسعت منشآت رولان جاروس وتحولت إلى مدينة رياضية متكاملة تضم عشرات الملاعب، أبرزها ملعب «فيليب شاترييه» وملعب «سوزان لينغلين»، وأصبحت باريس فى نهاية مايو من كل عام عاصمة للتنس العالمى.
ثم جاء العصر الإسبانى الذى فرض هيمنته على البطولة منذ التسعينيات، بداية من أرانتشا سانشيز فيكاريو وكارلوس مويا وخوان كارلوس فيريرو، وصولًا إلى رافائيل نادال الذى لم يكتف بالفوز، بل أعاد تعريف معنى السيطرة الرياضية بعدما حصد 14 لقبًا فى إنجاز يبدو أقرب إلى الأسطورة.
ورغم كل هذه الأسماء والأرقام والبطولات، تبقى القيمة الحقيقية رولان جاروس بالنسبة لجيلنا  كانت جزءًا من زمن جميل، زمن كان فيه التليفزيون مصدرًا للثقافة والمعرفة، وكان المعلق الرياضى أشبه بالمثقف الذى ينقل المعلومة بذوق واحترام، وكانت الشاشة تفتح أمام الناس أبواب العالم دون ضجيج أو صخب.
لكن بعيدًا عن الأرقام والإحصائيات، تبقى القيمة الحقيقية لرولان جاروس بالنسبة لنا أنها كانت نافذة على العالم. فى زمن لم يكن فيه إنترنت ولا منصات رقمية، كان التليفزيون المصرى يقدم للناس الثقافة والرياضة والمتعة باحترام شديد لعقل المشاهد. كنا ننتظر البطولة كما ننتظر العيد، ونتابع المباريات لنتعلم قبل أن نستمتع.
واليوم، وأنا أشاهد البطولة من جديد، أعود بذاكرتى إلى سنوات كان فيها للصوت قيمة، وللكلمة معنى، وللشاشة هيبة.. سنوات كان فيها المعلق جزءًا من تكوين وعى جيل كامل، وكانت الرياضة جسرًا للثقافة والذوق الرفيع، لا مجرد صخب وضجيج.
لهذا ستظل رولان جاروس بالنسبة لى أكثر من بطولة تنس.. ستظل قطعة من زمن جميل
ومع انطلاق النسخة الحالية من البطولة التى بدأت فى 18 مايو وتستمر حتى الأسبوع الأول من يونيو، يعود الحنين إلى تلك الأيام. أيام كانت فيها الرياضة أكثر نقاءً، وكانت المتعة تأتى من صوت معلق يعرف قيمة الكلمة، ومن شاشة تعرف جيدًا كيف تصنع وعى الناس وبهجتهم.