من الهيمنة الجماعية إلى المنافسة الشرسة باحث دولي يكشف لـ "الوفد" كواليس إعادة رسم خارطة النفوذ
تأتي الخطوة الإماراتية بالانسحاب من منظمة "أوبك" لتضع النظام الدولي المتعدد الأطراف أمام اختبار وجودي غير مسبوق، فهي لا تعكس مجرد رغبة في التحرر من قيود الحصص النفطية لتعظيم العوائد الاقتصادية فحسب، بل تمثل إعلاناً صريحاً عن ميلاد استراتيجية "السيادة المرنة" التي باتت تنتهجها القوى الإقليمية الصاعدة للتموضع في عالم "ما بعد المنظمات"؛ حيث يشير هذا التحول الذي يتقاطع مع ظواهر دولية مماثلة مثل الانسحابات الأمريكية الأخيرة، إلى أن براغماتية المصالح الوطنية بدأت تطيح بمنطق الالتزامات الجماعية، مما ينذر بمرحلة من السيولة الجيوسياسية والتنافسية الشرسة التي ستحول الطاقة من سلعة خاضعة للتنظيم إلى أداة نفوذ في نظام عالمي أكثر قسوة وأقل مركزية، تتفكك فيه التكتلات التقليدية لصالح صفقات ثنائية عابرة للحدود.
في تصريحات خاصة لجريدة "الوفد"، أكد الباحث في الشؤون السياسية والدولية، محمد عبد الحليم، أن قرار انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) يمثل تحولاً استراتيجياً يتجاوز كونه قراراً اقتصادياً تقنياً، ليعكس إعادة صياغة شاملة لفلسفة إدارة الدولة لعلاقاتها الدولية، وانتقالاً واضحاً من منطق الالتزام الجماعي إلى نموذج أكثر مرونة قائم على تعظيم السيادة الوطنية وتوسيع هامش الحركة في بيئة دولية تتسم بتصاعد التنافس وعدم اليقين. وأوضح عبد الحليم في حديثه لـ "الوفد" أن أبوظبي تسعى من خلال هذه الخطوة إلى تحرير سياساتها الإنتاجية من القيود المؤسسية التقليدية، بما يسمح لها بالاستجابة المباشرة لمتغيرات السوق وتعظيم عوائدها الاقتصادية وفق اعتبارات وطنية بالدرجة الأولى، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن فعالية الأطر متعددة الأطراف لم تعد بنفس القوة في ظل التحولات الجارية في النظام الدولي.
وأضاف الباحث السياسي أن هذا الاتجاه يتوافق مع ظاهرة أوسع برزت بوضوح في يناير الماضي عندما انسحبت الولايات المتحدة من عشرات المنظمات الدولية، مما يشير بوضوح إلى تراجع الثقة العالمي في فعالية المنظمات متعددة الأطراف. ويرى عبد الحليم أن هذا "الانسحاب الانتقائي" يمنح الدول مرونة أكبر وسيادة أقوى في اتخاذ القرار، لكنه في المقابل يضعف التنسيق الدولي ويزيد من احتمالات تقلبات الأسواق وحالة "الفوضى" في المجالات الحيوية والحساسة مثل قطاعي الطاقة والمناخ، مؤكداً أن العالم يتجه تدريجياً نحو نظام دولي أكثر براغماتية وقسوة، يعتمد في جوهره على الاتفاقيات الثنائية والقوة الوطنية المجردة أكثر من اعتماده على المؤسسات الجماعية التقليدية.
وأشار عبد الحليم إلى أن القرار يحمل دلالات سياسية واستراتيجية عميقة، إذ يعزز استقلالية القرار السيادي الإماراتي، ويفتح المجال أمامها للعب أدوار أكثر تنوعاً في المعادلة الدولية بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، بعيداً عن الارتباط بتكتلات قد تُدار وفق توازنات داخلية لا تتطابق بالضرورة مع أولوياتها الوطنية. ولفت إلى أن هذا التوجه يبعث برسالة واضحة للدول المنتجة الأخرى مفادها أن المنظمات التقليدية لم تعد الإطار الحتمي لإدارة المصالح، مما قد يدفع نحو مراجعات مماثلة داخل الإقليم، ويُسرّع من تحولات في نمط التنسيق داخل مجلس التعاون الخليجي، بما قد يفتح المجال أمام درجة أعلى من المنافسة البينية في سياسات الطاقة بدل الاعتماد الكامل على التوافقات الجماعية.
وعلى مستوى أسواق الطاقة العالمية، ذكر الباحث لـ "الوفد"أن خروج دولة بحجم وتأثير الإمارات من شأنه أن يضعف القدرة المؤسسية لمنظمة "أوبك" على تنسيق الإنتاج وضبط الأسعار، خاصة مع تراجع الالتزام الصارم بآليات الحصص، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى تقلبات السوق على المدى المتوسط نتيجة غياب أحد الفاعلين رئيسيين. وفي المقابل، قد يعزز هذا التحول من دور التكتلات الأكثر مرونة مثل "أوبك بلس"، أو التفاهمات الثنائية المباشرة بين الدول المنتجة والمستهلكة، وهو ما قد يصب في مصلحة القوى الكبرى المستهلكة للطاقة مثل الولايات المتحدة والصين، من خلال زيادة المعروض وتقليل قدرة أي تكتل منفرد على التأثير الحاسم في الأسعار.
وأكد محمد عبد الحليم "على أن الخطوة الإماراتية ليست حالة منفردة، بل هي مؤشر على تحوّل أوسع في سلوك الدول نحو إعادة تعريف علاقاتها مع المنظمات الدولية لتحقيق توازن جديد بين الاستقلالية الوطنية ومتطلبات التنسيق العالمي. وحذر من أن أي اضطراب في استقرار الأسواق سينعكس مباشرة على تكاليف المعيشة ويزيد معدلات التضخم عالمياً، خاصة في الدول النامية، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستشهد صعود نماذج تعاون أكثر سيولة وقدرة على التكيف مع التحولات المتسارعة، لكنها ستكون أكثر تعقيداً من حيث إدارة المصالح والتوازنات في ظل تراجع دور المؤسسات التقليدية.
الدافع وراء هذا الفتور تجاه الكيانات التقليدية برز بوضوح في تصريحات المستشار الدبلوماسي أنور قرقاش، الذي وجه انتقادات لاذعة لمجلس التعاون الخليجي، واصفاً موقفه السياسي والعسكري تجاه الهجمات الإيرانية خلال الحرب الأخيرة بأنه "الأضعف تاريخياً"، مما يعكس أزمة ثقة عميقة في قدرة هذه المنظمات على حماية أعضائها
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض