لازم أتكلم
رغم صدور القانون رقم 145 لعام 1988 الذى يعتبر حجرالزاوية لعمل المحليات، ورغم مزايا القانون رقم 84 لعام 1996، الذى جعل نظام انتخابات المحليات بالنظام المختلط (الجمع بين الفردى والقائمة) ومنح المجالس الشعبية صلاحيات أوسع باستقلالها ماليا، واستجواب المحافظ ومن معه من التنفيذيين، إلا أن هذه الصلاحيات بقيت حبرًا على ورق.
ولم يستطع مجلس محلى واحد استجواب أى محافظ، نتيجة لهيمنة السلطة التنفيذية على هذه المجالس عبر أبواب خلفية تغلقها وتواربها توجيهات كانت تأتى مباشرة من الحزب الوطنى الحاكم آنذاك بـ «إغلاق الفم» وعدم الاقتراب من المحافظ الذى جاء بالبارشوت محمولا على أكتاف المجاملات الحزبية والصداقات المخملية وتعليمات (اللجنة العليا للسياسات ) وأصابع المرحوم كمال الشاذلى وجمال مبارك.
وعجزت المحليات الموجهة سياسيا عن مكافحة الفساد المستشرى فى جميع أجهزة الدولة، ولم تنجح فى تلبية الحد الأدنى من متطلبات الشعب المطحون تحت عجلات قطار الفقر والجوع.
ودخل كبار أعضاء المجالس المحلية فى صراع خفى مع أعضاء البرلمان فى الدائرة نفسها، واستغلها بعض الذين قويت شوكتهم فرصة ثمينة؛ لتحقيق المصالح الشخصية الضيقة، كما يفعل نواب الدائرة، وصار شعار المرحلة (اسكت ولاتجعجع.. نفع واستنفع)، وبدت تلك المجالس مخنوقة بقبضة المقربين من دوائر صنع القرار؛ ففقدت حقها الأساسى فى مراقبة ومحاسبة السلطة، إلى أن قامت ثورة 25 يناير، وصدر قرار المجلس العسكرى بحلها.
الغريب هنا أن دستور 2014 منح هذه المجالس صلاحيات جديدة، ووضع آليات قوية لمحاسبة أعلى سلطة تنفيذية وهو المحافظ الذى يمثل رئيس الجمهورية فى الإقليم، ولكن للأسف لم يتم تفعيل هذه الآليات بعد أن دخلت هذه المجالس (فريزر) النظام الجديد، ولم تخرج حتى الآن فى مخالفة جسيمة للدستور.
والنتيجة.. خلل كبير فى الحياة السياسية؛ نتيجة غياب عصبها الأقوى، وانعدام الرقابة الشعبية على الأجهزة التنفيذية المحلية، ومن ثم تعطل الكثير من المشروعات لسنوات طويلة خلف العديد من المبررات الواهية.
ومع ازدياد الضغوط الإقتصادية وإحساس الناس بعدم وجود عدالة إجتماعية، وغياب المجالس البرلمانية المتعاقبة عن طموحات الفقراء ومحدودى الدخل، جاء التفكير فى إطلاق برامج ومؤسسات حماية اجتماعية موازية؛ فظهرت (حياة كريمة وتحيا مصر وغيرها) لحفظ ماء وجه الدولة وتحقيق جزء من العدالة الاجتماعية المفقودة.
وعلى الرغم من الإنجازات الملحوظة التى حققتها تلك المؤسسات الموازية لأجهزة الوزارات المعنية، إلا أنها لم تستطع تعويض المحليات سياسيا، لانخراطها التام فى العمل الخدمى التنموى فقط، وإن خضعت أحيانا فى تنفيذ مشاريعها لتوجيهات وتدخلات الأحزاب الكبرى (الموالية للسلطة).
ومع استقرار مؤسسات الدولة ورغبة القيادة فى تحريك الحياة السياسية الراكدة، صدرت التعليمات بالبحث عن نظام جديد للمجالس الشعبية المحلية وإعداد قانون لتعديل نظامها الإنتخابى بما يتلاءم مع طبيعة أهدافها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ويواكب تطلعات الجماهير فى إنجاز المشروعات العاجلة.
وعلى الفور.. تبارى بعض النواب وبمقتضى التوجيهات فى المطالبة بتغيير قانون نظام الادارة المحلية وتعديلاته، التى لم تحقق الهدف المنشود فى اللامركزية الإدارية ومراقبة أداء التنفيذيين فى المحافظات ومراكز المدن والقرى والمعنيين بالخدمات المباشرة للمواطنين، صحيا وتعليميا واقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيا.
وعلى مائدة تشريح ( الحوار الوطنى ) وفى البرلمان بغرفتيه (نواب وشيوخ) تم طرح الجثة، ودخلوا جميعا فى مناقشات مختلفة، وانتهوا إلى توصيات تواكب التحديات وتحقق طوحات المواطن المصرى سياسيا وشعبيا، إلا أن هذه التوصيات ما زالت حبيسة الأدراج، ولم تتقدم الحكومة ولا (النواب) بمشروع القانون حتى هذه اللحظة.. الأمر الذى يثير العديد من علامات الاستفهام حول رغبة النظام فى عتق رقبة المجالس الشعبية المحلية وتوفير الإرادة والقناعة الحقيقية بأهمية عودتها الفورية حتى لا تستمر هكذا ثغرة سياسية.. وللحديث بقية إن شاء الله.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض