مها الرباط: التوسع في خدمات القبالة بمصر يمنع آلاف الوفيات ويوفر عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا بحلول 2030
أكدت الدكتورة مها الرباط، أستاذ الصحة العامة بكلية الطب ومستشار الصحة والسكان ووزير الصحة الأسبق، أن الدراسة الاستثمارية الخاصة بإدماج خدمات القبالة في النظام الصحي المصري كشفت عن فوائد صحية واقتصادية واجتماعية واسعة النطاق، مشيرة إلى أن التوسع في تدريب وتشغيل القابلات خلال الفترة من 2020 إلى 2030 يمثل أحد أهم الاستثمارات القادرة على تحسين مؤشرات صحة الأم والطفل وتعزيز كفاءة المنظومة الصحية.
جاء ذلك خلال عرض الدراسة الاستثمارية الخاصة بتسريع وتيرة إدماج خدمات القبالة (Midwifery) “القبالة” داخل النظام الصحي المصري، وذلك ضمن فعاليات إطلاق البرنامج الوطني للقبالة في مصر، بحضور قيادات وزارة الصحة والسكان وممثلي المنظمات الدولية والخبراء والمتخصصين في مجالات صحة الأم والطفل.
وأوضحت أن الدراسة تم إعدادها بمشاركة واسعة من وزارة الصحة والسكان وشركاء التنمية والجهات المعنية، بهدف تقييم الفوائد المتوقعة من زيادة أعداد القابلات المؤهلات ودمجهن بصورة أكبر داخل منظومة الرعاية الصحية الوطنية.
وقالت إن الدراسة ركزت على قياس النتائج الصحية والاجتماعية والاقتصادية المنتظرة من تسريع تدريب القابلات واستيعابهن داخل النظام الصحي، بما يسهم في تحسين خدمات الرعاية المقدمة للمرأة خلال مراحل ما قبل الحمل والحمل والولادة وما بعد الولادة.
وأشارت إلى أن الحديث عن القبالة في الوقت الحالي يأتي في ظل توافر عوامل نجاح عديدة، أبرزها الجاهزية السياسية (Policy Readiness) “الاستعداد السياسي”، ووجود استراتيجية وطنية واضحة، إلى جانب توافر بيئة داعمة تشمل القطاع الحكومي والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وشركاء التنمية، فضلًا عن وجود توجهات رسمية تدعم التوسع في خدمات صحة الأم والطفل.
وأكدت الرباط أن نجاح منظومة القبالة لا يعتمد فقط على تدريب القابلات، بل يتطلب إعادة تنظيم الأدوار داخل الفرق الصحية المختلفة، من خلال ما يعرف بمفهوم تحسين توزيع الأدوار (Optimization of Roles) “تعظيم الاستفادة من الأدوار الوظيفية”، بما يضمن رفع كفاءة العمل وتحقيق أفضل استفادة من جميع أعضاء الفريق الصحي.
وأضافت أن الدراسة أظهرت نتائج واعدة للغاية فيما يتعلق بالمردود الصحي المتوقع للتوسع في خدمات القبالة، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية خفض أعداد وفيات الأمهات والمواليد والأطفال، وتقليل أعداد حالات الإملاص (Stillbirth) “وفاة الجنين قبل الولادة”، فضلًا عن الحد من حالات الحمل غير المخطط له (Unintended Pregnancies) “حالات الحمل غير المقصود أو غير المخطط له”.
وأوضحت أن التوسع في خدمات القبالة يمكن أن يسهم في تجنب عشرات الآلاف من النتائج الصحية السلبية المرتبطة بالحمل والولادة، وتحقيق تحسن ملموس في مؤشرات صحة الأم والطفل خلال السنوات المقبلة.
وأضافت أن الدراسة تناولت كذلك الأثر الاقتصادي للتوسع في خدمات القبالة، حيث أظهرت الحسابات الاقتصادية أن الاستثمار في هذا المجال لا يمثل عبئًا على الدولة، بل يعد استثمارًا عالي العائد يحقق وفورات متزايدة للقطاع الصحي مع مرور الوقت نتيجة رفع الكفاءة وتحسين توزيع الموارد وتقليل المضاعفات الصحية المكلفة.
وأشارت إلى أن الوفورات السنوية المتوقعة ستزداد تدريجيًا حتى عام 2030، مع تحسن كفاءة النظام الصحي وانخفاض التكاليف المرتبطة بالمضاعفات والحالات التي يمكن الوقاية منها من خلال خدمات القبالة الفعالة.
وأكدت أن إجمالي العائد الاجتماعي والاقتصادي المتوقع من تطبيق الاستراتيجية يصل إلى عشرات الملايين، نتيجة تحسن متوسط العمر المتوقع، وزيادة الإنتاجية، وتقليل الأعباء الصحية والاجتماعية المرتبطة بمضاعفات الحمل والولادة.
وفيما يتعلق باحتياجات القوى البشرية، أوضحت أن الدراسة رصدت الوضع الحالي للقابلات العاملات داخل المنظومة الصحية، وأجرت تقديرات مستقبلية لاحتياجات مصر من الكوادر المؤهلة حتى عام 2030، مشيرة إلى أن تحقيق الأهداف المستهدفة يتطلب زيادة كبيرة في أعداد القابلات المدربات والمرخص لهن بمزاولة المهنة.
وأضافت أن سيناريو التوسع المتسارع (Accelerated Scenario) “سيناريو التوسع السريع” يستهدف الوصول إلى آلاف القابلات المؤهلات بحلول عام 2030، بما يضمن تلبية الاحتياجات المتزايدة لخدمات صحة الأم والطفل في مختلف المحافظات.
كما أوضحت الرباط ، أن تكلفة التدريب ضمن سيناريو التوسع المتسارع تظل محدودة مقارنة بالعائد الصحي والاقتصادي المتوقع، مؤكدة أن الإنفاق على تدريب القابلات يجب النظر إليه باعتباره استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري والصحة العامة.
وشددت على أن نجاح البرنامج الوطني للقبالة يتطلب توافر مجموعة من المتطلبات الأساسية، في مقدمتها التمويل المستدام (Sustainable Financing) “التمويل المستدام”، والتشريعات المنظمة للمهنة (Regulation) “التنظيم والتشريع”، وتوفير فرص العمل والاستيعاب الوظيفي (Employment) “التوظيف”، إلى جانب تطوير خدمات الرعاية الصحية وآليات تقديمها.
وأكدت أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تدريب أعداد جديدة من القابلات، وإنما في ضمان دمجهن وتشغيلهن داخل المنظومة الصحية بصورة فعالة، من خلال توفير المسارات الوظيفية المناسبة والأطر التنظيمية الواضحة التي تسمح لهن بأداء دورهن بكفاءة.
واختتمت كلمتها بالتأكيد على أن البرنامج الوطني للقبالة يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز صحة الأم والطفل في مصر، وتحقيق عوائد صحية واقتصادية واجتماعية مستدامة، مشيرة إلى أن نجاح التجربة يتطلب استمرار التعاون بين جميع الجهات المعنية لضمان تنفيذ الاستراتيجية وتحقيق أهدافها بحلول عام 2030.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض