رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على مدار العقود الثلاثة الماضية، دخلت مصر مساراً واسعاً من التحرير التجاري والاقتصادي، وانضمت إلى منظومة التجارة العالمية ووقعت اتفاقيات شراكة وتجارة حرة كان يفترض أن تفتح أمام الاقتصاد المصري آفاقاً جديده للنمو والتصدير ونقل التكنولوجيا وجذب الاستثمارات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا لم تتحول هذه الاتفاقيات إلى قاطرة للتنمية الصناعية كما حدث في دول أخرى؟ ولماذا أصبح كثير من المصريين ينظرون إليها باعتبارها جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل؟
الحقيقة أن اتفاقيات التجارة الحرة ليست شراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً. فهي مجرد أدوات. والنجاح أو الفشل يتوقف على قدرة الحكومات على توظيفها لخدمة أهداف التنمية الوطنية. غير أن ما حدث في مصر يكشف عن خلل عميق في إدارة هذه الأدوات، حيث تم التركيز على تحرير الأسواق أكثر من التركيز على تأهيل الصناعة الوطنية للاستفادة من هذا التحرير.
لقد فتحت الدولة أبواب السوق المصرية تدريجياً أمام المنافسة الأجنبية، بينما ظلت قطاعات واسعة من الصناعة المحلية تعاني ضعف التكنولوجيا، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة التمويل، وتعقيد الإجراءات، وغياب الدعم الفني اللازم لرفع قدرتها التنافسية. وكانت النتيجة أن دخل المنتج المصري إلى معركة المنافسة العالمية وهو يفتقد كثيراً من مقومات الصمود.
وكان من المفترض أن يمثل مركز تحديث الصناعة أحد أهم أدوات معالجة هذه الفجوة. فقد أُنشئ بهدف تطوير الصناعة المصرية ونقل التكنولوجيا ورفع كفاءة المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتأهيلها للتعامل مع المتغيرات الجديدة. لكن بعد سنوات طويله من الإنفاق والبرامج والمبادرات، لا يزال السؤال مطروحاً بقوة: أين الأثر الحقيقي على الأرض؟ وأين التحول الصناعي الذي وُعدت به مصر؟
إن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الموارد التي أُنفقت، بل في غياب منظومه صارمه للمساءلة والرقابة وقياس النتائج. فقد جرى تقييم النجاح بعدد الندوات والبرامج والتقارير، بينما كان الواجب أن يكون المعيار الحقيقي هو عدد المصانع التي تم تطويرها، ونسبة المكون المحلي التي ارتفعت، وحجم الواردات التي تم إحلالها بمنتجات مصريه، وفرص العمل التي تم خلقها.
لقد أخطأت الحكومات المتعاقبة حين تعاملت مع تحرير التجارة باعتباره هدفاً في حد ذاته، بدلاً من اعتباره وسيله لتحقيق نهضه إنتاجيه. ففتح الأسواق قبل بناء قاعده صناعيه قويه يشبه دفع لاعب مبتدئ إلى منافسة محترفين عالميين ثم تحميله مسؤولية الهزيمة.
والأخطر من ذلك أن الاقتصاد المصري تحول تدريجياً إلى اقتصاد يعتمد بدرجات كبيره على الاستيراد في كثير من المدخلات والسلع الوسيطة، وهو ما جعل الصناعة الوطنية أكثر هشاشة أمام تقلبات أسعار الصرف والأزمات العالمية. وكلما تعرضت البلاد لصدمات خارجية ظهرت تكلفة هذا الاعتماد الكبير على الخارج في صورة تضخم وارتفاع أسعار وضغوط على العملة الأجنبية.
إن الأزمة الحقيقية ليست في وجود اتفاقيات التجارة الحرة، بل في غياب إستراتيجيه صناعية وطنيه قادره على تحويل هذه الاتفاقيات إلى فرصة للنمو. فالدول التي نجحت لم تغلق أسواقها، لكنها استخدمت الانفتاح التجاري لبناء قدراتها الإنتاجية وتعميق التصنيع المحلي ودمج المشروعات الصغيرة في سلاسل الإمداد الوطنية.
واليوم لم يعد ممكناً الاستمرار في النهج نفسه وانتظار نتائج مختلفه. فالصناعة المصرية بحاجه إلى مراجعة شاملة للسياسات التي حكمت علاقتها بالتحرير التجاري خلال العقود الماضية. كما أن مركز تحديث الصناعة وغيره من المؤسسات المشابهة بحاجه إلى إعادة هيكله جذريه وربط بقائها وتمويل موازناتها بنتائج فعليه قابله للقياس.
إن إنقاذ ما تبقى من القدرة الإنتاجية المصرية يتطلب الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستيراد والاستهلاك إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج والتصنيع والقيمة المضافة. ويتطلب كذلك بناء سلاسل إمداد محليه قويه، وتوجيه الدعم إلى المنتجين الحقيقيين، وربط الحوافز بنسبة المكون المحلي، وإخضاع جميع برامج الدعم والتحديث لرقابه مستقله وشفافه.
لقد أهدرت مصر سنوات طويلة في إدارة غير فعاله لفرص كان يمكن أن تغير وجه الاقتصاد الوطني. وما لم تتم مراجعة هذا المسار بجرأة وشفافية، فإن تكلفة الإخفاق لن تتحملها الحكومات وحدها، بل سيدفع ثمنها المجتمع بأكمله. أما إذا تحولت التجربة السابقة إلى درس تتعلم منه الدولة، فقد يصبح ما تبقى من الصناعة المصرية نقطة انطلاق جديده نحو اقتصاد أكثر إنتاجاً واستقلالاً وقدرة على المنافسة.