رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

في أحد أشهر مشاهد فيلم "عبود على الحدود"، لم تكن الجملة مجرد إفيه كوميدي عابر حين قال أحدهم لصاحبه: "اعمل نفسك ميت" لينجو من الضرب.

ضحك الناس وقتها، لكن يبدو أن الجملة خرجت من الشاشة وعاشت بيننا أكثر مما توقع الجميع.

شيئًا فشيئًا، تحولت من حيلة للنجاة داخل فيلم، إلى أسلوب حياة كامل.

المواطن الذي كان يغضب أصبح يبتسم بصمت، والذي كان يحتج صار يكتفي بالتنهيدة، والذي كان يحلم أصبح أقصى طموحه أن يمر الشهر بسلام، دون مفاجأة جديدة أو أزمة إضافية.

في الشارع، وفي المواصلات، وفي طوابير الحياة الطويلة، ترى وجوهًا لا تشبه الحياة بقدر ما تشبه الإرهاق. الناس تتحرك، لكنها من الداخل مثقلة بما يكفي ليجعلها عاجزة عن الالتفات إلى شيء سوى تدبير يومها التالي.

لم يعد التعب استثناءً، بل أصبح القاعدة العامة. أسعار تتغير أسرع من قدرة الناس على التكيف، وأعباء تتزايد، وقلق دائم من الغد، حتى صار المواطن يتعامل مع الأخبار الاقتصادية كما يتعامل المريض مع نتائج التحاليل؛ بترقب وخوف من المفاجأة القادمة.

لكن الأخطر من الغلاء نفسه، أن الإنسان بدأ يفقد إحساسه الطبيعي بالأشياء. فحين يصبح شراء الاحتياجات الأساسية إنجازًا يستحق الاحتفال، وحين تتحول الراحة النفسية إلى رفاهية بعيدة المنال، يدرك الإنسان أنه لم يعد يعيش الحياة كما ينبغي، بل ينجو منها فقط.

هناك فرق كبير بين شعب صابر وشعب مُنهك. والشعوب المرهقة لا تصرخ دائمًا، بل قد تصمت طويلًا، وكأنها تنفذ تلك النصيحة القديمة: "اعمل نفسك ميت".

غير أن التظاهر بالموت لفترة طويلة قد يقتل أشياء حقيقية بداخلنا؛ القدرة على الحلم، والرغبة في المحاولة، والإيمان بأن القادم يمكن أن يكون أفضل.

المواطن المصري لم يكن يومًا باحثًا عن الرفاهية المفرطة، ولم يطلب المستحيل. كل ما يريده حياة عادية يشعر فيها بالأمان، ويستطيع أن يخطط لغده دون خوف، وأن يرى ثمرة جهده تنعكس على حياته وأسرته.

ورغم كل شيء، يظل هذا الشعب قادرًا على الاحتمال بشكل يثير الدهشة. يضحك وسط الضيق، ويساند بعضه بعضًا، ويجد دائمًا طريقة للاستمرار مهما اشتدت الظروف.

لكن حتى أكثر القلوب صبرًا تحتاج أحيانًا إلى ما هو أكثر من القدرة على التحمّل؛ تحتاج إلى طمأنينة تمنحها الأمل، وإلى شعور بأن الغد قد يكون أفضل من اليوم.

فالأوطان لا تخشى غضب شعوبها بقدر ما تخشى أن يعتاد الناس الصمت، وأن يتحول التعب إلى أمر طبيعي، وأن يصبح الحلم رفاهية. فالغضب حياة، أما الاعتياد على الصمت فحكاية أخرى أكثر قسوة.