رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

اعتادت مؤسساتنا، السياسية والمهنية والمجتمعية، أن تربط بين القيادة والإدارة وكأنهما شيء واحد .. فالشخص الذي يتولى موقع القيادة يصبح في الوقت نفسه مسؤولا ً عن رسم الرؤية واتخاذ القرار، ومتابعة التنفيذ، وإدارة الموارد، وحل المشكلات اليومية، والإشراف على التفاصيل التشغيلية.
وربما كان هذا النموذج مناسبا ً في مراحل سابقة، حين كانت المؤسسات أصغر حجما ً وأقل تعقيدا ً، لكن واقع اليوم يفرض أسئلة جديدة تستحق التفكير.
هل القيادة والإدارة وظيفة واحدة بالفعل؟
أم أنهما وظيفتان مختلفتان تتكاملان ولا تتطابقان؟
فالقيادة في جوهرها تعني القدرة على رسم الاتجاه، وصياغة الرؤية، وإلهام الآخرين، واتخاذ القرارات الكبرى .. أما الإدارة فتعني تحويل هذه الرؤية إلى خطط، والخطط إلى برامج عمل، والبرامج إلى نتائج قابلة للقياس والتقييم.
القيادة تنظر إلى الأفق البعيد، بينما تنشغل الإدارة بما يجب إنجازه اليوم وغدا ً.
القيادة تسأل: إلى أين نريد أن نصل؟
أما الإدارة فتسأل: كيف نصل؟
وهنا تظهر إحدى القضايا المهمة في بناء المؤسسات الحديثة .. فكلما اختلطت الأدوار بين القيادة والإدارة، زادت احتمالات التداخل في الاختصاصات، وتراجعت القدرة على المساءلة الدقيقة، وأصبح من الصعب تحديد أسباب النجاح أو الفشل.
فإذا نجحت المؤسسة؛ نُسب النجاح إلى الجميع، وإذا تعثرت؛ ضاعت المسؤولية بين الجميع أيضا ً.
ومن هنا جاء الاتجاه العالمي المتزايد نحو الفصل بين الوظائف القيادية والوظائف التنفيذية، دون أن يعني ذلك وجود صراع بينهما أو انتقاصا ً من أهمية أي منهما، فالقيادة القوية تظل ضرورة لا غنى عنها، والإدارة الكفؤة تظل ضرورة لا تقل أهمية.
لكن نجاح المؤسسة يتحقق حين يعرف كل طرف دوره وحدود مسؤوليته وأدواته، فلا يُحاسب مسؤول على نتائج لا يملك أدوات تحقيقها، ولا تُمنح سلطة دون أن تقابلها مساءلة واضحة.
ولا يُطلب من القائد أن يتحول إلى مدير تشغيل يومي، كما لا يُطلب من المدير التنفيذي أن يحل محل القيادة في رسم التوجهات والسياسات.
ولعل إحدى المشكلات التي تواجه العديد من المؤسسات ليست نقص الكفاءات، بل غياب الوضوح في توزيع الاختصاصات، فقد نجد أشخاصا ً يمتلكون الخبرة والقدرة والرغبة في الإنجاز، لكنهم يعملون داخل هياكل تنظيمية تجعل المسؤولية في مكان والسُلطة في مكان آخر، والمساءلة في مكان ثالث .. وحين يحدث ذلك؛ يصبح الخلل مؤسسيا ً أكثر منه فرديا ً.

ولهذا فإن بناء المؤسسات القوية لا يبدأ فقط باختيار الأشخاص المناسبين، بل يبدأ قبل ذلك ببناء منظومة واضحة تحدد من يقود، ومن يدير، ومن يراقب، ومن يُحاسب.
فالمؤسسات الحديثة لا تقوم على فكرة البطل الفرد، مهما كانت قدراته، بل على التكامل بين الأدوار، وتوازن السلطات، ووضوح المسؤوليات.
وربما كان السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم:
هل نحتاج إلى قادة أكثر قوة؟ أم إلى مؤسسات أكثر قدرة على الفصل بين القيادة والإدارة؟
لأن المؤسسة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على النجاح في وجود قائد متميز فقط، بل بقدرتها على الاستمرار والنجاح وفق قواعد واضحة ونظم مستقرة، حتى مع تغير الأشخاص وتعاقب الأجيال.
فبين القيادة والإدارة لا توجد منافسة؛ بل توجد معادلة نجاح لا تكتمل إلا بوجود الاثنين معا ً، كلٌ في موقعه، وكلٌ في دوره، وكلٌ ضمن منظومة تضمن وضوح المسؤولية وعدالة المسار  .. واستدامة الإنجاز .