رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

في القضايا الجنائية الكبرى، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى المتهم وما ارتكبه من أفعال، لكن بعض الوقائع تفرض سؤالًا آخر لا يقل أهمية: كيف تمكن من الوصول إلى هذه المرحلة أصلًا؟

هذا السؤال يفرض نفسه بقوة بعد الحكم الصادر بالسجن المشدد 10 سنوات بحق شخص انتحل صفة طبيب متخصص في جراحات القلب، إثر إدانته في قضية تزوير محررات رسمية واستعمالها لاكتساب صفات ومناصب مهنية وأكاديمية لا يمتلكها.

القضية في ظاهرها جريمة تزوير، لكنها في جوهرها تطرح ملفًا أوسع يتعلق بمنظومة الرقابة على الممارسة الطبية، وآليات التحقق من المؤهلات العلمية، والمسؤولية عن حماية المرضى من أي ممارسات قد تعرض حياتهم للخطر.

فإذا كانت التحقيقات قد انتهت إلى أن المتهم ليس مقيدًا بسجلات الأطباء، ولا ينتمي إلى أعضاء هيئة التدريس بالجامعات التي نسب إليها صفات أكاديمية، فإن التساؤل الطبيعي يصبح: أين كانت حلقات المراجعة والتدقيق التي كان يفترض أن تكتشف ذلك مبكرًا؟

وتزداد أهمية هذا التساؤل عندما يتعلق الأمر بتخصص شديد الحساسية مثل جراحات القلب، حيث يضع المرضى وأسرهم ثقتهم الكاملة في الطبيب والمنشأة الطبية التي يعمل بها، اعتمادًا على ما يفترضونه من وجود نظم رقابية صارمة تمنع تسلل غير المؤهلين إلى هذه المواقع.

ولا تقتصر المسؤولية هنا على الجهات المانحة للتراخيص فقط، بل تمتد إلى كل مؤسسة صحية تستقبل أطباء أو متعاونين معها أو تسمح لهم بالعمل تحت مظلتها. فالمستشفيات والمراكز الطبية ليست مجرد أماكن لتقديم الخدمة العلاجية، بل هي أيضًا جهات يفترض أن تمارس دورًا رقابيًا في التحقق من صحة المؤهلات والتراخيص والخبرات المهنية لمن يعملون داخلها.

وفي المؤسسات الطبية الكبرى تحديدًا، تصبح المسؤولية مضاعفة. فاسم المؤسسة وسمعتها يمثلان بالنسبة للمريض شهادة ثقة مسبقة، وقد لا يخطر بباله أن يشكك في المؤهلات العلمية لمن يتعامل معه داخل منشأة طبية معروفة. ولهذا فإن أي خلل في إجراءات التحقق لا ينعكس فقط على المؤسسة نفسها، بل يمتد أثره إلى ثقة المجتمع في المنظومة الصحية بأكملها.

كما تطرح القضية تساؤلات حول كفاءة آليات الربط بين الجهات المختلفة المعنية بتنظيم المهنة، من جامعات ونقابات مهنية وهيئات حكومية وجهات ترخيص. فالتطور التكنولوجي الحالي يجعل التحقق من المؤهلات والقيد المهني أمرًا يمكن إنجازه خلال دقائق، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول الحاجة إلى منظومة إلكترونية أكثر تكاملًا تمنع تمرير أي بيانات غير صحيحة.

ويرى متخصصون أن الدرس الأهم في هذه الواقعة لا يتعلق فقط بتشديد العقوبات على جرائم التزوير، وإنما ببناء منظومة وقائية تمنع وقوعها من الأساس، عبر مراجعات دورية للكوادر الطبية، وتحديث قواعد البيانات، وإلزام جميع المنشآت الصحية بالتحقق الإلكتروني المباشر من المؤهلات المهنية قبل التعاقد أو إسناد أي مهام علاجية.

لقد قال القضاء كلمته في مسؤولية المتهم الجنائية، لكن الملف لم يُغلق بعد من منظور الرأي العام. فالقضية تظل تذكيرًا بأن حماية المرضى لا تبدأ عند أبواب غرف العمليات، بل تبدأ من التأكد من هوية وكفاءة كل من يحمل لقب "طبيب".

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: إذا كان شخص واحد قد انتحل الصفة، فهل كانت المشكلة فيه وحده، أم أن هناك ثغرات رقابية تحتاج إلى مراجعة جادة حتى لا تتكرر الواقعة مرة أخرى؟