اختراق لخصوصية الموتى.. الذكاء الاصطناعي يعيد إنتاج أصوات طيارين راحلين
تواجه الوكالات التنظيمية والحكومية في الولايات المتحدة الأمريكية تحديا غير مسبوق مع التطور المتلاحق لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والذي وصل إلى حد إعادة إنتاج وتزييف أصوات ضحايا الحوادث الجوية. وفي هذا السياق، اضطر مجلس سلامة النقل الوطني الأمريكي إلى حجب نظام نظام السجلات الرقمية التابع له وإغلاقه بالكامل مؤقتا، عقب قيام أشخاص ومطورين باستخدام البيانات المتاحة على الموقع لإعادة إنتاج الأصوات الحقيقية لطيارين لقوا حتفهم في حادث تحطم طائرة مأساوي بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتعود خلفية هذه الأزمة إلى قيام المجلس الحكومي برفع ملفات وتقارير تفصيلية شاملة تتعلق بحادث تحطم طائرة الشحن التابعة لشركة يو بي إس في رحلتها رقم 2976، والذي وقع في الرابع من شهر نوفمبر لعام 2025. وكانت الطائرة قد تعرضت للانفصال المفاجئ لأحد محركاتها عن الجناح أثناء مرحلة الإقلاع من مطار لويفيل بولاية كنتاكي، مما أسفر عن مصرع طاقم الطائرة المكون من ثلاثة أفراد، بالإضافة إلى مقتل 12 شخصا آخرين على الأرض إثر سقوط حطام الطائرة فوق منطقة سكنية.
كيف تحولت البيانات الهندسية إلى مقاطع صوتية حية؟
وفقا للقوانين الفيدرالية الصارمة في الولايات المتحدة، يحظر على مجلس سلامة النقل الوطني نشر أو توزيع التسجيلات الصوتية الأصلية المسجلة داخل كبائن القيادة والمعروفة بالصندوق الأسود، نظرا للطبيعة الحساسة والخاصة جدا للمحادثات الأخيرة التي تدور بين الطيارين قبل لحظات من الكارثة. واكتفى المجلس، كما هو معتاد في التحقيقات الرسمية، بنشر تفريغ نصي مكتوب للمحادثات، إلى جانب وثائق هندسية ورسوم بيانية طيفية تسمى السبيكتروجرام، وهي عبارة عن تمثيل مرئي وهندسي للترددات والموجات الصوتية المسجلة في الكابينة.
ومع ذلك، استغل بعض الهواة والمطورين الطفرة الهائلة في تقنيات التعرف على الصور والأساليب الحوسبية المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وقاموا بتحويل تلك الرسوم البيانية الطيفية الصامتة إلى مقاطع صوتية مسموعة ومحاكاة نبرات الصوت الحقيقية بدقة عالية. وتمكن هؤلاء من إعادة إنتاج الثواني الثلاثين الأخيرة والحرجة من عمر الرحلة، والتي ظهر فيها صوت الطيارين ومساعديهم وهم يصارعون بكل قوتهم من أجل السيطرة على الطائرة المنكوبة وإيقاف تشغيل الأنظمة المعطلة، ثم قاموا بمشاركة هذه المقاطع على منصات التواصل الاجتماعي.
تحرك حكومي عاجل لمواجهة التزييف الصوتي
أثارت هذه المقاطع الصوتية المعاد إنتاجها موجة عارمة من الاستياء والانتقادات، لما تمثله من انتهاك صارخ لخصوصية الضحايا وتجاوز للحدود الإنسانية والقانونية. وأصدر مجلس سلامة النقل الوطني بيانا رسميا أكد فيه علمه التام بالاستخدامات المستحدثة للذكاء الاصطناعي في إعادة تركيب التسجيلات الصوتية ل مسجّلات الصوت داخل مقصورة القيادة بناء على الصور الطيفية المنشورة كجزء من تقارير التحقيق الرسمية في حادث طائرة لويفيل.
وأعلنت الإدارة سحب نظام السجلات بالكامل وتعطيل الوصول إليه كإجراء احترازي ومؤقت، حتى يتسنى للمسؤولين والمهندسين تقييم حجم وأبعاد هذه المشكلة التقنية وبحث الحلول المناسبة لمنع تكرارها. ويتوقع خبراء الأمن السيبراني أن يتوقف المجلس نهائيا في المستقبل عن نشر أي رسوم بيانية تفصيلية للموجات الصوتية ضمن التقارير العامة المتاحة للمجتمع، والاكتفاء بالنصوص المكتوبة فقط لتجنب استغلالها من قبل أدوات التوليد الصوتي.
سهولة تكنولوجية تفتح الباب أمام مخاوف قانونية وأخلاقية
وعلى الرغم من أن تكنولوجيا تحويل الرسوم الطيفية إلى موجات صوتية مسموعة ليست جديدة في عالم الهندسة الصوتية، إلا أن دمجها مع أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة جعل العملية متاحة وبسيطة لأي شخص يمتلك اتصالا بالإنترنت ودون الحاجة لخبرات معقدة. وأشار أحد المستخدمين على منصة إكس إلى أنه تمكن من إعادة بناء المقطع الصوتي كاملا من الرسم البياني الصادر عن المجلس في غضون عشر دقائق فقط باستخدام نموذج كودكس المطوّر من قبل شركة أوبن إيه آي.
تفتح هذه الواقعة الباب مجددا أمام نقاشات حادة بين المشرعين وشركات التكنولوجيا حول وضع أطر قانونية وأخلاقية صارمة تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في محاكاة نبرات الأصوات البشرية، خاصة لأشخاص فارقوا الحياة، وتبرز الحاجة الملحة لتطوير أدوات دفاعية قادرة على كشف التزييف العميق وحماية البيانات الحكومية العامة من الاستغلال غير المصرح به الذي قد يمس بالأمن القومي أو يلحق أضرارا نفسية بالغة بأسر الضحايا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض