تناولتُ فى مقالى السابق عددًا من الأفكار والخواطر المتداولة بشأن احتمالية دخول الذكاء الاصطناعى فى مجال العمل العسكرى، وهو ما يُعد تساؤلًا مشروعًا، فى ظل ما يشهده عالمنا، اليوم، من طفرة تكنولوجية كبرى، تحمل فى طياتها العديد من المزايا، ومثلها من المساوئ، إن لم يحسن استغلالها وتوظيفها فى المسار الصحيح.
وفى ظل تأثر المجالات العسكرية، بكل ما يحيط بها من تطور فى المجالات المدنية، وحرصها على مواكبتها، بما يعود عليها بالنفع، مثلما أشرت، من قبل، للخطوات التنفيذية التى اتخذها وزير الدفاع الأمريكى، الأسبق، روبرت ماكنمارا، مع بداية ظهور الحواسب الآلية، حين استفاد من قدراتها، حينئذ، فى أبحاث وعمليات القوات المسلحة الأمريكية، ليصبح بعدها أداة رئيسية فى عمل الجيوش حول العالم. فبناءً على هذا النهج، يتصاعد، الآن، الحديث عن الذكاء الاصطناعى، الذى أصبح يُستخدم فى تطبيقات متعددة، من أبرزها تحليل البيانات، والتوجيه نحو اتخاذ قرارات، بعينها، وما يمثله ذلك من تحسين نوعية القرارات العسكرية، وزيادة دقتها، وفاعليتها.
ولعل إحدى أهم مزايا الذكاء الاصطناعى فى تعزيز القدرات العسكرية، هو إسهامه، بشكل مباشر، فى سرعة تحليل كم هائل من البيانات الواردة من مصادر متنوعة، كالأقمار الصناعية، والطائرات المسيرة بدون طيار، «الدرونز»، وغيرها من مختلف وسائل الاستطلاع والحصول على المعلومات، بما يساعد فى تتبع التحركات العدائية، وتحديد الأهداف بدقة، وهو ما يتيح للقادة اتخاذ قرارات فورية، وأكثر فاعلية، فى أرض المعركة، بما يحققه من تكامل، على سبيل المثال، مع الدرونز، إذ يعزز من قدراتها فى كشف مخابئ الأسلحة والإرهابيين.
فبفضل تقنيات الذكاء الاصطناعى، أصبحت الطائرات بدون طيار قادرة على التحليق بشكل مستقل، وتجاوز التضاريس الصعبة، وتحليل البيانات البصرية فى نفس الوقت، والتعرف على الأهداف أو الحركات المشبوهة بسرعة، مما يقلل من المخاطر على حياة الجنود، إذ تتلقى الطائرة المُسيّرة المهمة وخط السير، قبل إقلاعها، وبعد بدء مهمتها، يتمكن الذكاء الاصطناعى من تغيير خط سيرها، دون الرجوع للقائد، فى حال اكتشاف رادارات، أو صواريخ دفاع جوى، تهدد مهمتها.
ومن أبرز المظاهر الحديثة لاستخدام الذكاء الاصطناعى فى الحروب، هو دخوله فى أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل، والتى تستطيع اتخاذ قرارات مستقلة بناءً على البيانات المجمعة، والتكيف مع تطورات أرض المعركة، فى لحظات، دون الرجوع للقائد أو المستخدم. وقد بدأت بعض الدول بالفعل فى استخدام صواريخ ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعى لتغيير أهدافها أثناء الطيران، طبقًا لموقف العدائيات التى تظهر فجأة، وهو ما يجعلها أكثر دقة للوصول للهدف وتدميره.
ولا يتوقف دوره عند العمليات الميدانية، بل يمتد إلى دعم اتخاذ القرار حيث يستطيع الذكاء الاصطناعى مساعدة القادة العسكريين فى تحليل سيناريوهات مختلفة وتقديم توصيات مبنية على كمّ هائل من المعلومات، مما يقلل من زمن الوصول للقرار ويزيد من دقته. كما يُعد الذكاء الاصطناعى وسيلة فعّالة للحد من الخسائر البشرية، عبر التوسع فى استخدام الروبوتات والمركبات، التى لا يعمل عيها عناصر بشرية، فى المناطق شديدة الخطورة، مما يضمن تقليل تعرض الجنود للمخاطر المباشرة فى العمليات القتالية، ولعل أبسط الأمثلة هو الاعتماد عليها فى كشف وتدمير حقول الألغام.
ورغم ما يقدمه الذكاء الاصطناعى من فرص هائلة فى العمل العسكرى، إلا أن هناك تحديات أخلاقية وقانونية لا بد من مواجهتها. فالاستخدام غير المنضبط لهذه التكنولوجيا قد يؤدى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. لذا، من الضرورى وضع إطار قانونى دولى صارم ينظم استخدام الذكاء الاصطناعى فى النزاعات المسلحة، ويضمن عدم تجاوز الحدود الأخلاقية فى قرارات القتال والاستهداف.
ومع التقدم المتسارع، من المتوقع أن يزداد اعتماد الجيوش على الذكاء الاصطناعى؛ فالحروب القادمة ستكون أكثر تعقيدًا، وستعتمد بشكل متزايد على تقنيات متقدمة، مما يتطلب تطويرًا مستمرًا لقدرات الذكاء الاصطناعى العسكرى، حيث سيتكامل الذكاء الاصطناعى أيضًا مع تقنيات مثل إنترنت المعلومات والحوسبة السحابية، ما يفتح آفاقًا جديدة فى تحليل البيانات واتخاذ القرارات بسرعة، ودقة، لم تكن ممكنة من قبل. لكن فى الوقت نفسه، ستظهر تحديات أمنية جديدة تتعلق بكيفية حماية هذه الأنظمة من الهجمات المضادة، ما يستدعى تطوير تقنيات «مضادة للذكاء الاصطناعى» لمواجهة أى تهديد محتمل.
ورغم كل ذلك، فإننى على يقين من أن العقل البشرى سيظل هو الأساس، ولا يمكن الاستغناء عنه فى اتخاذ القرارات أثناء سير القتال، فرغم ما قد يتيحه استخدام الذكاء الاصطناعى من تسريع إطلاق نيران المدفعية، على سبيل المثال، إلا أن تحديد الأهداف لا يجب أن يُترك للذكاء الاصطناعى، الذى قد يتخذ قرارًا بمهاجمة قرية مزدحمة بالسكان، غير مكترث بتدمير البشر، لمجرد ظهور هدف على شاشة الحاسب الآلى فى تلك القرية. لذا أؤكد على ضرورة وضع ضوابط صارمة لاستخدام هذا الشكل الجديد من الذكاء الاصطناعى، للسيطرة، والتحكم، فى نطاق عمله.
وفى الختام، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعى يمثل ثورة حقيقية فى ساحة المعركة، ورغم التحديات القانونية والأخلاقية التى ترافقه، إلا أن فوائده المتعددة قد تجعل منه ركيزة أساسية فى بناء منظومات دفاعية أكثر كفاءة وأقل تكلفة بشرية. ويبقى الشرط الأساسى هو الاستخدام المسؤول والمنضبط لهذه التكنولوجيا، بما يضمن أمن الدول، وسلامة الإنسان.
Email: [email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض