لا تستطيع أمة أن تبنى مستقبلها بعقول تحفظ أكثر مما تفهم، وتكرر أكثر مما تسأل. فحين يعتاد الإنسان تلقى الأفكار دون فحص أو تحليل، يتحول المجتمع كله إلى مستهلك للمعرفة لا منتج لها، وإلى صدى يردد ما يسمعه بدل أن يصنع رؤيته الخاصة.
ومن هنا تصبح قضية التفكير النقدى واحدة من أخطر قضايا التعليم فى مصر اليوم، لأنها لا تتعلق بالمناهج وحدها، بل بطريقة تشكيل العقل المصرى نفسه.
والتفكير النقدى ليس تمرداً على القيم أو دعوة إلى الفوضى، كما يظن البعض، بل هو القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الرأى والمعرفة، وبين البرهان والضجيج. إنه تدريب العقل على السؤال: لماذا؟ وكيف؟ وهل توجد زاوية أخرى للفهم؟
لكن النظام التعليمى فى مصر، عبر عقود طويلة، قام فى معظمه على الحفظ والتلقين. فالطالب يطالب باسترجاع النصوص لا مناقشتها، وبحفظ الإجابات النموذجية لا التفكير فيها. وهكذا تتحول الدراسة إلى اختبار ذاكرة، لا رحلة اكتشاف.
وأصبحت «الثانوية العامة» التعبير الأوضح عن هذه الأزمة؛ إذ يختزل مستقبل الطالب فى قدرته على استدعاء أكبر قدر من المعلومات تحت ضغط الخوف والقلق. وفى مثل هذا المناخ تموت الأسئلة، لأن السؤال يحتاج إلى وقت وتأمل، بينما المطلوب هو الإجابة السريعة الجاهزة.
ثم تأتى الفصول المزدحمة لتجعل الحوار الحقيقى شبه مستحيل. كيف يمكن لمعلم أمام عشرات الطلاب أن يفتح نقاشاً جاداً؟ وكيف يشعر الطالب بأن صوته مسموع أصلاً؟ ومع الوقت تتحول المدرسة إلى مكان للصمت والانضباط، لا للتفكير والاكتشاف.
كما أن دور المعلم نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف؛ فالمعلم فى التعليم الحديث ليس حارساً للحقيقة المطلقة، بل قائد حوار، يفتح العقول ولا يغلقها. والطالب يجب ألا يخاف من الخطأ، لأن الخطأ جزء أساسى من التعلم والنضج الفكرى.
إن الأمم المتقدمة لم تصل إلى قوتها بالحفظ وحده، بل بتعليم الإنسان كيف يفكر، وكيف يناقش، وكيف يشك بطريقة عقلانية منتجة؛ فكل اكتشاف كبير بدأ بسؤال، وكل نهضة حقيقية بدأت بعقل رفض الاكتفاء بما هو جاهز.
ولهذا إصلاح التعليم فى مصر يجب أن يبدأ من تغيير فلسفة التعليم نفسها، لا من تغيير الكتب فقط. نحن بحاجة إلى امتحانات تقيس الفهم لا الاستظهار، وإلى مناهج تشجع النقاش والبحث والعمل الجماعى، وإلى تدريب حقيقى للمعلمين على أساليب الحوار والتفكير النقدى.
إن أخطر ما قد يصيب أى مجتمع هو أن يفقد شبابه القدرة على السؤال. فالعقل الذى لا يسأل يصدأ ببطء.
ومصر، بتاريخها العريق وعقول أبنائها، تستحق تعليماً يصنع مفكرين لا حافظين، وباحثين لا مكررين، وشباباً ينظرون إلى العالم بأعينهم هم، لا بعيون الآخرين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض