رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«يا خبر!»

فى ظل انشغال العالم بما سيحدث مع إيران، هناك تصعيد إسرائيلى خطير فى الضفة الغربية المحتلة، مرحلة جديدة من الصراع بدأت تتضح ملامحها تتجاوز كل الإجراءات الأمنية التقليدية لتعيد تشكيل الواقع السياسى والقانونى والجغرافى للأراضى الفلسطينية المحتلة وتشرعن القتل وتوسع الاستيطان بوتيرة غير مسبوقة.

ما قاله وزير المالية الصهيونى المتطرف، بتسلئيل سيموتريتش، نصا: «لقد ترددت إسرائيل لسنوات وخافت من قول ما هو بديهى، أن هذه بلادنا وسنتصرف فيها تصرف المالك فى ملكه»، لم يكن هذا كلاما عابرا وإنما خطة نحو ضم فعلى للضفة الغربية عبر الجمع بين التشريعات العقابية والتوسع الاستيطانى، ولم يتوانَ سموتريتش عن إعلان نواياه العدائية، حيث توعد الفلسطينيين فى مؤتمر صحفى قائلا: «أعد أعداءنا بأن هذه ليست سوى البداية.. سنهاجم أى هدف اقتصادى أو غيره فى حدود صلاحياتى»، وتعهد باستخدام «كل الوسائل المتاحة» ضد الفلسطينيين وضد أى ضغوط دولية.

فما هو خفى عن الإعلام الدولى الآن بسبب الانشغال بإيران أن الضفة الغربية تنتقل إلى مرحلة أكثر تطرفا، القتل الميدانى بات سياسة رسمية يتفاخر بها قادة الجيش هناك، حيث قال الجنرال الإسرائيلى، آفى بلوث، لصحيفة هآرتس مؤخرا: «بما أن القادم يستهدف قتلك، اقتله أولا فهذا هو المعيار فى الشرق الأوسط، ونحن نقتل اليوم كما لم نقتل منذ عام 1967».. فى الضفة الآن تتكامل الأدوات العسكرية والقانونية والاستيطانية لتكريس السيطرة الإسرائيلية وتقويض أى إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا وسياسيا.

قانونيا بإمكان قانون الإعدام الجديد إذا دخل حيز التنفيذ عبر أوامر عسكرية أن يحول المقاومة أو الاعتراض على سلطة قوة الاحتلال إلى مبرر للحرمان من الحياة، وسيخلق نظاما أكثر تعسفا وتطرفا، إذ يلغى أى إمكانية للعفو أو لتخفيف العقوبة، ويسمح بصدور أحكام الإعدام دون إجماع القضاة، كما أن القانون الجديد لا يكتفى بإقرار عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات تصنفها إسرائيل بأنها «إرهابية»، بل إنه يوسّع أيضاً تعريف الجرائم التى تستوجب هذه العقوبة ويقلّص بشكل كبير ضمانات المحاكمة العادلة.

التعديلات الجديدة للقانون تمنح الادعاء العسكرى الإسرائيلى صلاحيات أوسع، إذ يصبح كافيا أن يكون المتهم استخدم سلاحا أوانتمى إلى منظمة تعتبرها إسرائيل «محظورة» حتى تُفترض أهليته لعقوبة الإعدام، بينما تنتقل مسؤولية نفى الاتهام إلى الدفاع، ووصفت المنظمات الحقوقية ذلك بأنه «انتهاك خطير لمبادئ عبء الإثبات والمحاكمة العادلة» وأن الكنيست يتصرف كما لو أن الضفة الغربية ضُمّت بالفعل إلى إسرائيل، فى تجاوز واضح لقواعد القانون الدولى، رغم أن مسألة ما إذا كان الكنيست يملك أساسا صلاحية فرض مثل هذا القانون على الأراضى المحتلة تبقى محل نزاع قانونى.

وفى سياق ابتلاع إسرائيل للجغرافيا الفلسطينية جاء قرار إخلاء تجمع خان الأحمر البدوى شرق القدس ضمن خطة إسرائيلية أوسع لإحياء مشروع (E1) الذى يهدف إلى توسيع مستوطنة «معاليه أدوميم» وربطها بالقدس، مما يؤدى عمليا إلى تقسيم الضفة الغربية إلى شطرين وفصل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطينى، ومشروع «E1» ظل مجمدا لسنوات بسبب الضغوط الدولية، لأن تنفيذه سيقضى فعليا على التواصل الجغرافى بين بيت لحم ورام الله، وبين الخليل ونابلس»، مما يعنى أن «فلسطين لن تعود ممكنة، ليس فقط سياسيا أو اقتصاديا، بل جغرافيا أيضاً، فتجمع خان الأحمر يعد خط مواجهة فى الحرب البطيئة التى تشنها إسرائيل لإزالة التجسيد المادى لفلسطين، كما أن سكان التجمع البدوى من عشيرة الجهالين سبق أن هُجّروا من صحراء النقب عام 1948، وهم يعيشون اليوم تحت ضغط دائم من المستوطنين والسلطات الإسرائيلية.

هذا التصعيد الإسرائيلى وتحديدا من جانب سيموتريتش لا يمكن فصله عن احتمال صدور مذكرة توقيف من الجنائية الدولية بحق سموتريتش، بعدما اعتبر أن الإجراءات الدولية تمثل «إعلان حرب»، كما صدرت عقوبات أوروبية أخيرة على منظمات استيطانية، بينها منظمة رغافيم التى شارك سموتريتش فى تأسيسها، وتعمل على دعم التوسع الاستيطانى وتبرير السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

الواقع الآن فى الضفة الغربية أن إسرائيل لا تكتفى بإدارة الاحتلال أمنيا، بل تتجه نحو إعادة صياغة الضفة قانونيا وديمغرافيا وجغرافيا، عبر الدمج بين القمع العسكرى، وتوسيع الاستيطان، وتشديد القوانين على الفلسطينيين، فى مسار يعتبر منظمات تكريسا لنظام تمييزى دائم وإغلاقا متسارعا لأى أفق سياسى لحل الدولتين.