"بوصلة التنين".. كيف تتحول القاهرة إلى "الملاذ الآمن" لغزو الأسواق الأفريقية؟
بينما كانت أروقة جامعة الدول العربية تضج بنقاشات نحو 250 ممثلاً لوسائل الإعلام ومراكز الفكر في "مؤتمر الشراكة الصينية العربية"، بدت الصورة أكبر من مجرد كلمات دبلوماسية؛ إنها عملية إعادة "هندسة" شاملة للعلاقات الدولية. في هذا المشهد، لم تعد الصين مجرد "مصنع للعالم"، بل تحولت إلى "مهندس سياسي" يسعى لتقديم بديل استراتيجي للنفوذ الغربي، مستنداً إلى بوابة لا يمكن تجاوزها وهي القاهرة.
في قراءة تحليلية لهذا الزخم، يرى الدكتور هاني الجمل، خبير الشؤون العربية والدولية، أن التوقيت يحمل دلالة "الملاذ الآمن"، ففي ظل اشتعال الجبهات من غزة إلى اليمن، وصولاً إلى التوترات الإيرانية الأمريكية، نجحت مصر في تقديم نفسها كـ "جزيرة استقرار" دفعت القوى الكبرى، ومن بينها الصين، للمراهنة عليها كبوابة حقيقية لأفريقيا.
ويوضح الجمل في تصريحات للوفد أن هذا الاستقرار لم يغِب عن عين بكين، التي ترى في مصر "بوصلة" لاستثماراتها، خاصة مع البنية التحتية المتطورة ومناطق قناة السويس اللوجستية التي تحولت إلى منصة انطلاق لغزو الأسواق الأفريقية بمكون صناعي مشترك، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة مثل "الكوميسا" التي تمنح المنتجات نفاذاً بجمارك صفرية.
داخل أروقة المؤتمر بالجامعة العربية ، كان لافتاً التركيز على دور الإعلام ومراكز الفكر، وهو ما وصفه الدكتور الجمل بـ "القفازات البيضاء" التي تستخدمها بكين لتقريب الأطر السياسية. فخلافاً للمنهج الغربي، تتبع الآلة الإعلامية الصينية مبدأ "الكل كاسب"، حيث تبتعد عن التدخل في الشؤون الداخلية وتعلي من شأن المصالح الوطنية.
أعاد السفير الصيني لياو لي تشيانغ، الحاضرين عشر سنوات إلى الوراء، ليذكرهم بخطاب الرئيس شي في نفس القاعة. هذا الربط الزمني يؤكد أن النفس الصيني في المنطقة "طويل ونفسه هادئ"، وأن بكين لا تتحرك بردود الفعل، بل بخطط عشرية تبحث عن استقرار الشرق الأوسط كجزء لا يتجزأ من أمنها القومي وتنميتها.
وأوضح أن هذا المنهج هو ما منح الصين "القوة الناعمة" اللازمة لتهيئة الأجواء السياسية قبل الاقتصادية؛ ولعل الوساطة الصينية في المصالحة السعودية الإيرانية كانت "كلمة السر" التي مهدت الطريق أمام مبادرة "الحزام والطريق" لتصبح واقعاً ملموساً في المنطقة العربية والقارة السمراء.
وشدد رئيس وكالة "شينخوا" فو هوا على أن الإعلام ومراكز الفكر هما "رباط القلوب". وهذا يؤكد تحليل الدكتور هاني الجمل الذي يري أن الصين تراهن على "تصفير المشاكل" عبر التنمية والتبادل الثقافي، وهو ما تجسد في معرض "تلاقي الفنون" الذي أعاد إحياء روح طريق الحرير.
إن تركيز المؤتمر على "الابتكار الرقمي" و"السرديات المتنوعة" يكشف ان الجنوب العالمي اليوم لم يعد يكتفي بمقعد المتفرج، بل يريد كتابة تاريخه الخاص بمداد من التعاون المشترك.
التقرير البحثي الذي صدر في ختام المؤتمر، "التعاون الصيني العربي في العصر الجديد"، لم يأتِ من فراغ، وأشار الجمل، انتقلت الرؤية الصينية من مجرد النظر للمنطقة كسوق استهلاكي إلى العمل على "توطين الصناعة". الهدف هنا مزدوج: سد نقص الأسواق العربية بمنتجات عالية الجودة، وخلق قواعد تصنيعية في مصر تستفيد من ثقلها التاريخي ودورها في دعم حوار "الجنوب - الجنوب".
المشاركون من الجنوب العالمي أكدوا أنهم سئموا من أن تكتب قصصهم بأقلام الآخرين. واليوم، ومن قلب القاهرة، يبدو أن هناك قلماً جديداً يبرى ، وحبراً يسكب لصياغة مستقبل لا يكون فيه الجنوب مجرد "تابع"، بل شريكاً أصيلاً في صياغة عدالة دولية طال انتظارها.
إن تسليم نسخة من كتاب «حوكمة الصين» للأمانة العامة للجامعة العربية، وتكريم الشركاء الإعلاميين، هو بمثابة إعلان رسمي عن انتهاء عصر "الرواية الواحدة". نحن أمام تحالف ينمو بهدوء، تقوده عقول مفكري الجنوب، وتدعمه إرادة سياسية تبحث عن "العدالة التائهة" في النظام الدولي.
لقد أثبت مؤتمر القاهرة أن الشراكة بين التنين الصيني والعواصم العربية لم تعد خياراً، بل أصبحت ضرورة وجودية لإعادة توازن القوى العالمي، حيث تظل القاهرة هي "كلمة السر" في عبور الاستثمارات من الورق إلى عمق القارة الأفريقية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







