الراوي
ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه
فى زحام الحياة، حيث تتراكم التفاصيل الصغيرة حتى تختفى ملامحنا وسطها، لم ينتبه بطل الحكاية إلى أن بعض العلاقات لا تكسر فجأة، بل تذبل كما تذبل زهرة تركت دون ماء؛ لا صوت لسقوطها، ولا ضجيج يعلن نهايتها، فقط صمت طويل يتسلل بين ثنايا الكلمات، حتى تختفى الكلمات نفسها.
كانت البداية طبيعية إلى حد لا يثير القلق؛ انشغال يومى، مكالمة مؤجلة، رسالة تركت دون رد، ولقاء يرحَّل من أسبوع إلى آخر. لم يكن هناك خلاف يستدعى الوقوف أو جرح ظاهر يفرض المواجهة. فقط مسافة تتسع ببطء، دون أن يراها أحد، حتى أصبحت واقعًا لا يمكن إنكاره!
كان يظن أن العلاقات القوية تقاوم الزمان، وأن القرب الحقيقى لا تهزه الأيام. لكنه لم يدرك أن أقوى العلاقات ليست تلك التى تتحمل الإهمال؛ بل تلك التى تُروى بالاهتمام المستمر، فالعلاقة التى لا تغذى، تضعف، مهما كانت بدايتها صلبة.
الأمر الأخطر أن التباعد لا يأتى فى صورة قطيعة، بل فى هيئة اعتياد؛ تعتاد الغياب، ثم تعتاد قلة السؤال، ثم تعتاد ألا تنتظر شيئًا. وهنا تحديدًا تبدأ النهاية الحقيقية: حين يصبح الغياب طبيعيًا، لا يقلق ولا يلفت.
ومع مرور الوقت، تحولت العلاقة من حياة مشتركة إلى أثر خفيف؛ اسم محفوظ فى الهاتف، ذكرى تمر أحيانًا دون أن تترك أثرًا يذكر. لا ألم واضح، ولا حضور حقيقي… فقط فراغ مهذب.
وحين حاول بطل الحكاية أن يعود، أن يصلح، أن يعيد الدفء، اكتشف أن الطرف الآخر لم يعد كما كان؛ ليس لأن شيئًا كبيرًا حدث، بل لأن أشياء صغيرة كثيرة لم تحدث، لأن المسافة التى بنيت بالصمت، لم تعد تهدم بالكلام.
الحقيقة التى قد تبدو قاسية، أن الإهمال الصغير أكثر خطرًا من الخلاف الكبير؛ فالخلاف يفتح بابًا للحوار، أما البرود فيغلق الأبواب بهدوء، دون أن نشعر.
تعلّمَ، متأخرًا، أن العلاقات لا تحتاج إلى مجهود استثنائى، بل إلى حضور صادق؛ كلمة فى وقتها، سؤال حقيقى، اهتمام لا يؤجل. أشياء بسيطة… لكنها تصنع الفارق بين علاقة حية وأخرى تدفن وهى لا تزال قائمة!
وفى النهاية، تذكر دائمًا:
ليس الفقد دائمًا انفصالًا…
أحيانًا يكون مجرد غياب الاهتمام.
«تلك كانت حكاية من حكاياتنا يقصها الراوى، ويترك لكم التعليق».
أستاذ الإعلام المساعد بكلية الآداب – جامعة المنصورة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض