حكاوى
يظل حزب الوفد الضمير الحى لليبرالية المصرية، شاغلا للرأى العام مهما خبت أنواره أو اشتدت أزماته. ومع حلول مطلع عام 2026 وتحديدا فى الثلاثين من يناير الماضى، شهد الحزب لحظة فارقة بإعلان فوز الدكتور السيد البدوى برئاسة الحزب للمرة الثالثة، بعد منافسة وصفت بالأشرس فى تاريخ الحزب الحديث أمام الدكتور هانى سرى الدين. هذا المشهد أعاد طرح التساؤل الملح وهو هل بدأت بالفعل مرحلة الإصلاح الحقيقى داخل الوفد، أم أننا أمام محاولة لإعادة إنتاج أدوات لمواجهة تحديات جديدة؟.
تميزت عودة البدوى بخطاب مختلف جذريا عن فتراته السابقة. ففى أول تصريح له عقب الفوز، قطع وعدا بالاعتذار للشعب المصرى عما اعتبره تقصيرا فى الدور الوطنى للحزب خلال السنوات الماضية. هذا الاعتذار لم يكن مجرد استهلاك إعلامى، بل اعترافا بضعف الخطاب السياسى وتراجع التواجد البرلمانى الذى عانى منه الحزب فى السنوات الأخيرة. ويحسب للبدوى أنه حاول البدء بالتأكيد على أن الهدف هو إعادة بناء الوفد واستعادته لمكانته التاريخية. ورغم قصر المدة الزمنية منذ توليه المنصب فى يناير وحتى الآن، إلا أن هناك مؤشرات توحى بتحرك فى عدة ملفات أساسية، استجابة للبرامج الانتخابية التى طالبت بالمؤسسية.
لقد عانى الحزب ولايزال من أزمات مالية طاحنة هددت استقرار جريدته ومقراته. والتحركات الأخيرة تشير إلى محاولة وضع نظام تمويلى يعتمد على الاستدامة بعيدا عن تبرعات الأفراد، وهو تحد كبير لم يحسم بعد ولكن بدأت حوله نقاشات جادة. ويسعى البدوى حاليا لاستعادة هوية الوفد كحزب معارض بناء ووسطى ليبرالى. وهناك تركيز واضح لمخاطبة جيل جديد من الشباب الذين لم يعاصروا زمن الوفد الجميل. وقد
بدأ الحزب فى تفعيل دور اللجان النوعية، وهى العمود الفقرى للفكر داخل الوفد، لضمان أن يكون الحزب قادرا على تقديم حلول عملية للمشكلات الوطنية، بدلا من الاكتفاء بردود الأفعال.
ولا يمكن الجزم بأن الإصلاح قد اكتمل فالحزب لا يزال يرزح تحت وطأة إرث ثقيل من الصراعات الداخلية. الخصوم والمراقبون يشككون فى قدرة الحزب على تجاوز شخصنة القرار. ويعكس انقساما حادا وهو انقسام يتطلب مهارة فائقة فى الإدارة لاحتوائه وتحويله إلى تعددية صحية بدلا من الصراع.
علاوة على ذلك يواجه الوفد تحدى المنافسة الحزبية، حيث لم يعد هو اللاعب الوحيد فى الساحة الليبرالية. هناك أحزاب ناشئة تمتلك أدوات تكنولوجية وقدرة أكبر على الوصول للشباب، مما يضع الإصلاح الإعلامى والتكنولوجى فى مقدمة الأولويات.
إن عودة السيد البدوى فى 2026 لا ينبغى أن تقرأ كعودة لشخص، بل يجب أن تكون عودة لمؤسسة. والإصلاح الذى بدأه بخطاب الاعتذار ومبادرات إعادة البناء يمثل بصيص أمل للوفديين، لكنه يظل رهنا بالنتائج الملموسة على الأرض. الإصلاح فى بيت الأمة ليس نزهة، بل هو عملية جراحية دقيقة لكيان تجاوز المائة عام. وإذا نجح البدوى فى تحويل وعوده إلى لائحة حزبية قوية وإدارة مؤسسية شفافة، فقد يشهد عام 2026 الميلاد الثالث لحزب الوفد فى العصر الحديث. أما إذا غلبت الحسابات الضيقة، فسيظل الوفد تاريخا نعتز به لا واقعا نعيش فيه. والرهان الآن هو هل سيتحول الوفد إلى حزب يبحث عن وطن فى قلوب المواطنين؟ الشهور القادمة هى التى ستجيب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض