الناصية
من الأقوال الخالدة التى سمعتها عن العبقرى صلاح جاهين فى أروقة مجلة «صباح الخير» سواء عندما كنت أزورها مع شقيقى فنان الكاريكاتير «محسن جابر» ليسلم رسوماته ثم يأخذنى فى جولة فى شوارع القاهرة، أو عندما بدأت أولى خطواتى فى الصحافة منها.. قول جاهين عندما شاهد فتاة جميلة تمشى على رصيف شارع قصر العينى وهو يطل من نافذة المجلة: «سعادتى فى الحياة مع هذه الفتاة التى لن أراها مرة أخرى لتأخذ هذه السعادة معها وتختفى للأبد»!
صلاح جاهين هو الطفل الذى ظل يبحث عن سعادته فى الوطن بالشعر والرسم والسينما والتليفزيون، وأبدع كل ما أبدع بحس طفولى وكأنه يحتمى داخل طفولته المبدعة من رعونة هؤلاء الكبار المتحكمين، وعندما لم يستطع حماية نفسه من أذيتهم وأذية أحلام أبناء وطنه رحل منذ 40 عامًا تاركًا لهم الدنيا وما فيها، بينما هو لم يكن يريد أكثر من اللعب بالألوان والكلمات ويمثل ويغنى وممكن يرقص فى حب مصره وناسها الطيبين!
صلاح جاهين كان يرسم وكأنه طفل مهتم بالزخارف والتفاصيل فى نكته كاريكاتورية، وكتب أغنية بالأحضان للفنان عبدالحليم حافظ ليغنيها الأطفال، ولذلك أحس الملحن كمال الطويل بذلك فجاء اللحن سهلًا وبسيطًا يردده كورال من الأطفال، وكتب جاهين أوبريت الليلة الكبيرة بحس طفل يزور المولد، حتى الرباعيات الفلسفية كانت رؤية طفل للعالم وللأشياء.. وليس فيلم خلى بالك من زوزو بكل ما فيه من لعب وضحك ومرح وشقاوة سوى مشاعر طفولية بدائية فى الحب بعيدًا عن حسابات الكبار والأفكار!
ولو اكتفى جاهين برسم الكاريكاتير وحده لظل رسامًا عظيمًا، وكذلك فى الشعر وكتابة السيناريو والتمثيل، ففى كل المجالات التى أبدع فيها كان يكفيه نوع واحد منه فقط ليكون مبدعًا كبيرًا، ولكن موهبته الكبيرة إلى حد العبقرية جعلته عظيمًا فى هذه المجالات!
صلاح جاهين كان نموذجًا لما كانت عليه المؤسسات الصحفية والإعلامية والثقافية، التى تضم المبدعين المصريين وتحتضنهم وتوفر لهم بيئة صالحة للإبداع مثل روزاليوسف ثم مؤسسة الإهرام، وكانت الأخيرة تستكتب زكى نجيب محمود وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وعبدالرحمن الشرقاوى ويوسف إدريس.. أعطونى مؤسسة واحدة اليوم فيها مبدع واحد حتى ولو كان إبداعه يساوى 1% من إبداع هؤلاء!
ومشكلتنا مع صلاح جاهين بعد 40 عامًا من رحيله 1986، إنه كان نهاية عصر الإبداع الحقيقى، ومن بعده جاء عصر الجفاف والتجريف فى السياسة والفن والثقافة!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض