رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

دور المبدع بين التوجيه والمقاومة

عندما تصرخ الأقلام فى زمن الحرب

بوابة الوفد الإلكترونية

الجعفرى: أزمة الأوطان هى أزمة للإبداع

أبوالخير: الأديب نبى دعوته استثنائية

عيد: المثقف محرك للأحداث لا يكتفى بدور المشاهد

الفوال: للأدب دوره البارز فى توحيد الشعوب

جادو: دورنا توجيه الرأى العام فى الاتجاه الصحيح

شادن: نتشبّث بالجمال وسط الرماد

 

وحده المبدع الذى يمتلك من الأسلحة أمضاها دون أن يخوض غمار أرض الحروب، ومن الأدوات أشدها و«أنعمها» فى آن، فيقيم ممالك ويهدم أخرى، وعلى إثر قلمه تدور الحروب أو تضع أوزارها.

هكذا صارت الكلمة على مر العصور نورًا، فتلك أشعار عنترة فى وصف الحرب والمعارك، كم ألهبت من الحماس، بينما تقف أشعار المتنبى مثلًا لانتقاد فساد الملوك، حتى عُد هجاؤه لكافور من أشهر قصائد الهجاء فى التاريخ العربى.

ومن ذا الذى ينسى الدور الأهم لألحان سيد درويش التى مثلت مقاومة موازية، وجيشًا ناعمًا آخر ضد المحتل، وكيف وقفت ألحان الشيخ إمام وكلمات الفاجومى، فى وجه الظلم، وصولًا لأغانى المقاومة والتغنى بالوطن من أم كلثوم وحليم ووردة وغيرهم، والتى استنهضت حماس الشعب، فى لحظات الضعف وألبسته رداء القوة والعزة.

بل من ذا الذى ينكر الدور الأهم فى مقاومة المحتل الغاصب، والذى لعبه الشاعر العظيم محمود درويش، والروائى غسان كنفانى، والشاعر سميح القاسم، والكاتب إميل حبيبى، وفدوى طوقان، وحيدر حيدر وغيرهم.

كلها أسلحة مختلفة للحرب، ووجوه متباينة للإبداع والفن، اتخذت كأدوات للتغيير والثورة والخروج من أعناق الزجاجات إلى رحابة الأمل..

ولا يختلف اليوم كثيرًا عن أمس، ها هو التاريخ يدور دورته لنشهد ويشهد معنا العالم حربا ضروسا، بين الصهاينة وإيران، وبينهما ينقسم العالم أطيافا وجماعات، مع هذا، وضد ذاك.. 

ليطوف أمامنا سؤال ملح:

ترى ماذا عساه يكون دور المبدع فى تلك الظروف الحالكة من عمر الزمن، ماذا عليه أن يقدم أو يكتب، هل يعد دوره توعويًا أم ترفيهيًا، أم أنه مشارك فعلى فى الحدث، بل وقد يكون محركًا قويًا له؟

يجيب عن أسئلتنا تلك وغيرها، مبدعون، اتخذوا من أقلامهم معبرًا أو مقاومًا وزادًا.. 

 

<< المبدع رائد اجتماعى عليه تقديم الحلول

فها هو الشاعر، د. أحمد الجعفرى، يؤكد لنا أن المبدع - كاتبًا أو فنانًا - هو رائد اجتماعيّ وهذه الصفة هى شرط وجوده وتأثيره واستمراره؛ لذا فإن الدور الاجتماعى للمبدع هو أحد جسور التواصل مع محيطه الذى يتلقى إبداعه.

ويتضاعف دور المبدع وقت الأزمات التى يتعرض لها وطن المبدع الذى هو بيئة إبداعه، ولنا أن نقول إنها حالة متوازية.. أعنى أن أزمة الأوطان هى أزمة للإبداع، وعليه.. فإن للمبدع أدوارًا ضرورية فى فترات الأزمات بوطنه ومجتمعه، أهم هذه الأدوار هو بذل الدعم الذى يأخذ بيد مجتمعه للخروج من حرج الراهن المأزوم نحو استشراف الإيجابية الضرورية للنجاح واجتياز الصعاب، كذلك إسهام المبدع بفاعلية فى إيجاد حلول مادية ملموسة لبعض الأزمات - ولنا مثال فى تجارب الفنانين والمبدعين فترات المجهود الحربى والاكتتاب لدعم المؤسسات.

وعن دور المبدع فى الأزمة الراهنة، يرى الجعفرى أنه ومن المهم أن نتحدث عن ذلك والبلد ومجتمعنا يكابدان تحديات اقتصادية خانقة…. فيكون دور المبدع هو صنع النموذج الذى يُقتدى به، ترشيد الاستهلاك وتبنى ما تُطلِقه الإدارة الاقتصادية للبلد من مبادرات ضرورية لتخطى الأزمة الحالية.

 

<< فى الحرب تولد ثقافة المقاومة

فيما يرى الشاعر والكاتب الصحفى عيد عبدالحليم أن فى الحرب عادة ما تولد ثقافة المقاومة، لأن المواقف الحقيقية تظهر فى وقت الشدة، ولا خير فى مثقف يأخذ مبدأ الحياد وقت الأزمات، فالمثقف الحقيقى لا يعرف معنى الخنوع أو الصمت، المثقف الحقيقى، يطوع إبداعه من أجل تحفيز الجماهير، هكذا علمتنا الحياة على مدار التاريخ، فالمثقفون الحقيقيون يصنعون الفارق فى مواجهة من يسعون إلى حرق العالم وإبادة الإنسانية.

ويضيف عيد: إن العالم لم يخلق للصراع، بل خلق للتجاور والتحاور والتعايش الإنسانى، كل ذلك يكون بيئة حاضنة للإبداع، لكن لو تغيرت البوصلة وتحول الشر قانونا للبشر، واشتعلت الحروب، انقلب الإبداع ليكون شعلة للنضال، من هنا وجدت تجارب كبرى فى ثقافة المقاومة مثلما حدث فى فيتنام، حيث كانت القصيدة واللوحة التشيكيلية والأغنية رفيقة السلاح، وفى المقاومة الفلسطينية ضد المغتصب الصهيونى صارت أشعار المقاومة لدى محمود درويش ورفاقه دستورًا للنضال والحياة.

من هنا كان المثقف محركًا للأحداث ولا يكتفى بدور المشاهد، فهو الصانع للغد بعد انتهاء كل الحروب.

 

<< الأدب وسيلة مقاومة لا عنفية تحفظ الهوية

هكذا ابتدرتنى الشاعرة والناقدة د. رشا الفوال، مؤكدة أن: الحساسية المفرطة تجاه التفاصيل الإنسانية هى سمة الكاتب فى أوقات الحروب، وهى الدافع إلى إنتاج نصوص تتجاوز السطحى والمباشر وصولًا إلى الغوص فى أعماق التجربة البشرية التى تشهد المعاناة والضغوط النفسية، وكلها تُحدث حالة من الصراع الداخلى العميق بين الرغبة فى الصمت والرغبة فى التعبير كآلية دفاع نفسى تُعيد للكاتب توازنه وتمنحه شعورًا بالسيطرة وسط كل هذه الفوضى التى تُحدثها آلة الحرب.

وتتابع الفوال بقولها: يتجلى دور الكُتاب المهم فى أوقات الحروب، لأنهم لا يكتفون بتوثيق الأحداث، بل يعبرون من خلال القصائد والروايات والقصص والمقالات عن انفعالات الآخرين وآمالهم فى السلام والاستقرار، يستطيع الكُتاب كشف حقيقة الحرب بعيدًا عن الدعاية من خلال تسليط الضوء على آثارها النفسية والاجتماعية على المجتمع، بالتالى قد يكون للأدب دوره البارز فى توحيد الشعوب وإبراز القيم الإنسانية التى تُعبر عن المشترك الإنسانى مثل التعاطف والتسامح ونبذ الكراهية والعنف، وفى كثير من الأحيان يتحول الأدب إلى وسيلة مقاومة لاعنفية تحفظ الهوية والذاكرة الجمعية للشعوب.

 

<< فى قلب المأساة يبدو جمال الإنسان حين يرفض أن يُكسَر

ولأن ثمة علاقة شديدة اللصوق بين إبداعها والحرب، تحدثت الكاتبة د.شادن دياب، مؤكدة أن: الحرب- هذا الشبح العنيد- هى جزء لا يتجزأ من تاريخى الشخصى، ومن تاريخ الأدب الذى أنتمى إليه، فنّ الحرب ملتصق بى، ملتصق بإنتاجى الأدبى التصاقًا لا فكاك منه. وحين أتحدث عمّا يجرى اليوم فى العالم العربى، لا أجد بُدًّا من أن أعود إليها، لأننى عِشتُها وجسّدتُها طوال مسيرتى ربما بداعى توثيق مأساتها وأسبابها وما بعد الحرب بجنونها... ونتاجها من تلوث وتدمير وإبادة للإنسان.

متابعة: لم تكن علاقتى بها مختارةً فى البداية. فقد سبقت الحربُ القلمَ، حين تعرّضتُ لمشكلة التلوث البترولى للهجوم الإسرائيلى إبّان حرب لبنان، وكنتُ أعمل حينها بالتعاون مع الأمم المتحدة. فأصبح شبح الحرب حاضرًا فى عملى قبل قلمى الأدبى، تجلّى ذلك فى كتبى الشعرية، ابتداءً من «عازف الروح»، حيث تحدّثتُ عن السلام، وعن ذلك التوازن الهشّ الذى يسعى إليه العالم العربى دون أن يبلغه وقصيدة انتروبيا، ثم جاءت قصائد «وجوه الحرب»، التى حاولتُ فيها أن أُجسّد ما لا يُقال- الوجوه اللا مرئية والوجوه المخفية خلف دخان المعارك، ثم فيلم «أمل»، الذى كتبتُ سيناريوه بالتعاون مع الأستاذ حبيب عاشور. فيلم يطرح سؤالًا مؤلمًا عن ماذا لو فقدت كل شيء لأصبح أملًا..ثم تأتى «فرصة مع العالم» ماذا لو حدث انفجار نووي؟ ويأتى يحيى فى رواية «يحيى الذى رأى»، وكيف يحاول الإنسان أن يحمى ما تبقّى من إنسانيته، حتى بعد الموت، فى مخيمات اللجوء.

وتتابع شادن: ما سيبقى هو ما تجده سارة ويحيى لإنهاء مأساة العالم أو توثيق النهاية.

لكنّ ما يشغلنى اليوم هو لاصق الأمل، ذلك الذى يتشبّث بالجمال وسط الرماد. ربما هو ما رآه بيكاسو حين رسم «غيرنيكا»: أنّ فى قلب المأساة جمالًا آخر- جمال الإنسان حين يرفض أن يُكسَر. ربما أبحث عن ذاك الجمال فى كل ما أكتب.

 

<< دور المبدع توعوى ضد الأكاذيب

بابتسامة حزينة يجيب تساؤلى الكاتب والناقد طارق عبدالوهاب جادو، بقوله: فى عالم تكثر فيه الادعاءات، ويحاول البعض فيه نشر الأكاذيب واختلاق الانتصارات الزائفة يبرز دور المثقف والكاتب المؤمن بقضايا وطنه وقوميته وهويته، حيث لا أحد غيره يمتلك القدرة على تعرية الحقائق وتوجيه الرأى العام داخل مجتمعه فى الاتجاه الصحيح والسليم والآمن. 

ويضيف طارق: وفى أتون الحرب الدائرة الآن تتشعب الآراء بين مؤيد ومعارض، بين مناصر لدولة تشبهنا حضاريًا وعقائديًا وآخر يعترض على استهدافها بنى عروبتنا من جيرانها، لكن المؤكد أن أحدًا لا يقف إلى جوار الكيان الغاصب الذى يختبيء فى عباءة قوة عظمى مدعيًا أنه بحربه إلى جوارها قد أصبح هو الآخر قوة عظمى فى الوقت الذى تعانى فيه جبهته الداخلية ـ بل والخارجية ـ من الوهن وتتلقى الصفعات بشكل يومى بينما يخفى هو كل ذلك من خلال التعتيم والرقابة الصارمة على ما ينشر.

دورنا هنا كمثقفين وكتاب هو التأكيد على هذه الرؤية، التى من خلالها يستطيع المتلقى والمتابع لكافة المنصات الإعلامية ألا ينجرف إلى مع تيار التأييد المطلق، أو الانهيار المعنوى تحت دعاوى الانتصارات الزائفة كما قلت. وفى النهاية لن تتضح الحقائق كاملة إلا بعد انتهاء المواجهات، فالحروب دائمًا تخفى أكثر مما تعلن ولا تنكشف نتائجها إلا بعد مرور الكثير من الوقت!

 

<< لا يجب أن يصمت من ينتظر الناس منه الكلام

وبحماس واضح يؤكد الشاعر مجدى أبوالخير أن الأديب فى دوره الحقيقى هو نبى يحمل رسالة بشكل عام، وفى زمن الحروب يكون لرسالته دعوة استثنائية، لا بد أن يبث فى مجتمعه روح العزيمة والمثابرة حتى وإن كان يعترض على مجتمعه فيما سبق، لكن هو يدرك جيدًا أن القوة فى الاصطفاف لتعبر السفينة إلى شاطئ أقل خطورة من أمواج التفكك والاختلاف، يحاول أن يكون رسول سلام ويقترح حلولًا تهدئ، لا يسكب ما يزيد النار اشتعالًا.

ويواصل أبوالخير بقوله: من المؤلم جدًا أن يجد الأديب نفسه أمام خيارين كليهما مر وصعب، فى لحظة ينظر إليه من حوله أنه صوت مميز ويجب عليه أن يتحدث.

فما بين أن تكون مواطنًا مثل الجميع يتأثر باليومى والمعاش ويتضرر أيضًا بما تشكله حالة الحرب والتغيرات والأعباء المعيشية، وبين المبدع الذى تتضارب مشاعره ولا تتوفر أمامه الحقائق الكاملة فى اللحظة المعاشة ليقدم رؤيته وقناعته فى قالب إبداعى معبر عن الحالة التى قد تختمر فى أيام أو شهور وقد تصل إلى سنين ليستطيع أن يكوّن قناعة ورؤية يقدمها للعالم، فالأديب يشعر بألم وتخبط ومرارة لا يشعر بها أحد كون كل المؤثرات والأحداث تتوالى بسرعة رهيبة وتغير لحظى وهذه كلها تكون بمثابة المدخلات المخزنة التى تنتج بعد اختمارها عملًا أدبيًا، أو رأيًا أو رؤية، ولكن بالرغم من كل هذا التخبط والتغير لا بد أن يستعين الأديب بجانبه الآخر وهو المواطن العادى ليكتب هو هذه المرة مستعينًا بخبرات الأديب الحرفية وأساليبه للتعبير، يتحدث فيها المواطن فى ثياب الأديب ويجلس المبدع المتحرر فى هذا الوقت متفرجًا فى ركن بعيد يراجع فقط صياغة وأسلوب ما ينتجه المواطن الأديب فى هذه اللحظة الآنية، لا يصح أن يصمت من ينتظر الناس منه الكلام معولين عليه بأنه وقته، ولكنه لكونه لا يفرض عليه الكتابة بهذه السرعة يقدم المواطن متعهدًا له أنه سيكون مساندًا له حتى يستقر الوضع ويخرجون بأقل خسائر.