لو عاد جورج اورويل George Orwell الكاتب البريطانى الشهير إلى عالمنا اليوم، وتأمل مشاهد الحروب الدائرة اليوم فى الشرق الاوسط، أو أصغى إلى نشرات الأخبار التى تتدفق بلا انقطاع، لربما لن يُصدم بالحرب ذاتها بقدر ما يُصدم باللغة التى تصفها وتبررها. فالحرب، فى نظره، ليست فقط ما يُرتكب على الأرض، بل ما يُعاد تشكيله فى الكلمات؛ حيث تتحول الأفعال إلى عبارات، والدم إلى خطاب، والدمار إلى «ضرورة».
فى مشهدٍ شرق أوسطى مثقل بالعنف، من غزة إلى طهران، تتكرر مفردات بعينها: «الدفاع عن النفس»، «حماية الاستقرار»، «صناعة السلام». غير أن هذه الكلمات، لو فحصها أورويل بعينه الناقدة، لانكشفت بوصفها مثالًا صارخًا لما أسماه يومًا «اللغة السياسية التى تجعل القتل يبدو محترمًا، والكذب يبدو صادقًا». هنا، لا تُسمّى الأشياء بأسمائها، بل تُستبدل بأقنعة لغوية تخفف وطأة الحقيقة، أو تلغيها تمامًا.
إن المفارقة الأكثر قسوة لا تكمن فى العنف ذاته، بل فى الادعاء المصاحب له. حين يُقدَّم القصف بوصفه طريقًا إلى السلام، وحين تُصوَّر الحروب بوصفها عمليات «تطهير» أو »إصلاح»، فإننا لا نكون أمام خطاب سياسى فحسب، بل أمام بنية فكرية تعيد تعريف الواقع وفق منطق مقلوب. أورويل، الذى كتب عن «وزارة الحقيقة» فى عالمه المتخيل، كان سيجد فى واقعنا ما هو أشد قسوة: عالمًا لا يحتاج إلى وزارة مركزية لتزوير الحقيقة، لأن اللغة ذاتها قد أصبحت أداة طيّعة فى يد السلطة.
فى هذا السياق، تتكرر ثنائية قديمة بلباس جديد: «أبناء النور» فى مواجهة «أبناء الظلام». وهى ثنائية يستدعيها مخادعون مثل نتنياهو لتأطير الصراع بوصفه معركة أخلاقية مطلقة، لا نزاعًا سياسيًا معقّدًا. لكن أورويل كان سيحذرنا من هذه الثنائيات المريحة؛ لأنها تُلغى الإنسان فى الطرف الآخر، وتحوله إلى مجرد فكرة يجب محوها. وحين يُمحى الإنسان من اللغة، يصبح محوه من الواقع خطوة أسهل.
اللغة هنا لا تصف العنف، بل تُشرعنه. إنها تُعيد صياغة القسوة فى قالب أخلاقى، بحيث يبدو الفاعل وكأنه يؤدى واجبًا، لا يرتكب جريمة. وهكذا، يُعاد إنتاج صورة الذات بوصفها حضارية، عقلانية، حاملة لمشعل «النور»، فى مقابل آخر يُدفع إلى خانة “الهمجية”، مهما كانت معاناته أو حقه فى الحياة.
وبينما تنقش الصواريخ تضاريس الألم على أجساد المدن، تنقش الكلمات تضاريس مضلِّلة على وعى البشر، فتغدو الحقيقة أرضًا يتنازعها القصف والتأويل. وفى تلك الفجوة المرعبة بين ما يحدث وما يُقال عنه، كان أورويل سيقف لا شاهدًا فحسب بل شاهدَ اتهام، ليقول إن الكارثة لا تكتمل بالفعل وحده، بل باللغة التى تبرّره. وأن استعادة الإنسان تبدأ من انتزاع الكلمة من فم الكذب، وإعادتها إلى معناها الأول: أن تُسمّى الأشياء كما هى، لا كما يُراد لها أن تُرى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض