رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«يا خبر!»

بات واضحًا بما لا يدع مجالًا للشك أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يبحث الآن عن مخرج من الحرب على إيران يحفظ له ماء وجهه حتى لا يجد نفسه بين عشية وضحاها قد وقع فى فخ «فيتنام جديدة» وحتى لا يكون مصيره كمصير الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون الذى بذل جهودا كثيرة لحماية سمعته الشخصية وسعى لتحقيق نهاية مشرِّفة فى حرب فيتنام ولم يفلح، فقد خلفت تجربة فيتنام وراءها سنوات من الموت والمعاناة، حيث أخضع نيكسون ومستشاره للأمن القومى هنرى كيسنجر الشعب الفيتنامى لأربع سنوات من القصف الجوى، ولقى أكثر من 20 ألف جندى أمريكى حتفهم خلال تلك الفترة، بينما كانت حصيلة الضحايا الفيتناميين والكمبوديين واللاوسيين أعلى من ذلك بأضعاف مضاعفة.

ترامب فعل الشيء نفسه بمحاولاته تبرير مواصلة الحرب على إيران، لكنه الآن أدرك أن إيران مستمرة فى الحرب. صحيح أنها تستنزف، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل أيضا تستنزفان، فإيران رغم تكبدها أسوأ الخسائر (اغتيال عدد من القادة، وتدمير جزء كبير من مكونات الجيش والبنى التحتية…)، لم يتبق للنظام الحاكم فيها ما يخسره، خاصة أنه أثبت قدرته على إحداث فوضى عارمة فى المنطقة وإلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد العالمي, ومن ثم فإيران تدير الحرب بأريحية ونفس طويل وأيديولوجية متمسكة بالبقاء أو النهاية للجميع على طريقة شمشون.

ترامب بعد ثلاثة أسابيع ونصف من قصف إيران، يحاربها بصواريخ عالية الثمن ويتكلف قرابة الثلاثة عشر مليار دولار فى الأسبوع الواحد وإيران تحارب بمسيرات رخيصة الثمن وتوسع جبهات المواجهة وتجر الإقليم لحرب أوسع نطاقًا مدعية أنها تستهدف المصالح الأمريكية فى المنطقة، وعداد المليارات والخسائر يعد على ترامب، ما جعله يراجع خطته ويغير تدريجيًا من خطابه. فمثلًا تراجع عن هدف تغيير النظام الحاكم فى إيران، لأنه لا توجد أى سابقة تاريخية لإنهاء حكومة ما عن طريق القصف الجوى، فضلا عن أن الحكومة الأمريكية تمتلك سجلاً ضعيفاً فى دعم الدعوات للانتفاض ضد الحكام من الداخل.

الحرب تطول والاستنزاف معها يزيد واللغة الأمريكية تتغير. صحيح أن القصف لم يتوقف من هنا أو هناك بل ربما زاد، لكن بدا أن مسارا تفاوضيا قد أخذ فى الجدية والعمل جنبا إلى جنب مع التصعيد العسكري، الرئيس ترامب نفسه أعلن عن ذلك وأشار إلى محادثات جيدة ومثمرة للغاية مع إيران لإنهاء الصراع، وهناك وسطاء فاعلون يدعمون هذا المسار منهم مصر وتركيا وقطر وعمان وباكستان، هذه المرة ربما نكون أمام نهاية قريبة جدا لهذه الحرب العبثية، وقد مهد الرئيس الأمريكى لذلك عندما بدأ منذ أسبوع فى الترويج إلى أنه دمر أسطول إيران تمامًا ودمر فعليًا قدرتها على إطلاق الصواريخ الباليستية، مثلما ادعى أنه دمر تمامًا برنامجها النووى فى غارات جوية فى يونيو الماضى.

ما يزيد الضغط على ترامب لإنهاء هذه الحرب حصار إيران لمضيق هرمز الذى يمر عبره 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، وهو ما تسبب فى ارتفاع هائل فى أسعار النفط وتعتبر إيران حصارها للمضيق ردا على القصف الأمريكى الإسرائيلى، وبالتالى فإن السبيل المنطقى لإنهاء الحصار هو وقف ذلك القصف، لا سيما مع تضاؤل مبررات استمراره، فصار من المنطقى جدًا والمقبول لكل الأطراف أن يتوقف القصف الأمريكى الإسرائيلى لإيران، وأن تفعل إيران الشيء نفسه بدلاً من أن تتحمل مسئولية استمرار الحرب.

ستنتهى هذه الحرب قريبًا جدًا، أما النصر فيها فكل يرى أنه انتصر، ترامب انخرط فى حرب اختيارية دون أن يستند إلى أى سبب وجيه، وبات الآن بحاجة إلى مخرج يحفظ له ماء وجهه، ولا مانع من أن يروج للانتصار، وفى المقابل إيران تقول إنها انتصرت ولم تستسلم رغم كل شيء، وتعتبر بقاء النظام بحد ذاته انتصاراً ويكفيها أن تروج أن نظامها متماسك رغم كل هذا القصف وكل هذه الاغتيالات.

ستتوقف الحرب وستكتب كلمة النهاية قريبا وسيقول كل طرف «انتصرنا» وستظل الملفات كلها مفتوحة لاحقًا فى حالة أشبه باللا سلم واللا حرب، من أجل تجنيب العالم المزيد من الضغظ الاقتصادى وتهدئة الأسواق ولجم الأسعار وترضية الداخل الأمريكى ووقف الاعتداءات الإيرانية غير المبررة على جيرانها العرب.