عاجل
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بين السطور

كنا فى قريتنا نستقبل الشهر الكريم بتعليق الزينات الورقية والتى يصنعها من كانوا يكبروننا قليلاً وتجد حركات نظافة غير المعتادة وكنا الصغار ونرى العامل المكلف بتنظيف فوانيس أركان الحوارى وجنبات الشوارع العمومية يداوم شبه يوميا على مرعاتها وكل شىء يتحسن وتزدان البيوت ويصحبنا الكبار لاختيار الفانوس الجديد الصاج الملون ونشترى له أيضا الشمع الملون ونخرج بعد تناول الإفطار بالفانوس حتى تخلص الشمعة نعود لمنازلنا ونسمع جملة تتردد عندما يأتى الضيوف أو الأقارب أو السائلين فنجد الكبار يؤكدون على وجود بركة رمضان وكنا نظن أن بركة رمضان تأتى من السماء التى نراها وعندما يوشك الشهر الفضيل على الرحيل ومع براءتنا التى كانت مخلوطة بدمائنا بعيد عن النت وشرَكه نخرج إلى قارعة الحارة العتيقة فى قريتنا ونظل نبكى ونردد يارب رمضان يفضل معانا ونخشى أن يذهب دون رجوع وننزوى إلى أن يصحبنا الكبار من الجدود والجدات أو الأب أو الأم ليشتروا لنا ملابس العيد ليبددوا أحزاننا على وداع الشهر الفضيل وننام ليلة العيد وملابسنا أمامنا ونترك باب الدولاب مفتوحا ونظراتنا عليها والحذاء أسفل السرير ونصحوا على تكبيرات العيد وننتظر العيدية من الكبار. ومازلنا نجد فى أنفسنا نفس الإحساس ونفس الشعور عندما ينوى الرحيل فتجد كل عام أن ما بين أول شهر رمضان وآخره فرق شاسع بالنسبة لى ولآخرين مثلى، ففى قدومه فرحة عارمة وارتباطى به يرجع لتأصيل حبه فينا من كبار العائلة، ومن ارتباطنا به من طقوس تزاور الأهل وبالتراويح والسحور وبالمذياع من سماع القرآن الكريم لأساطين القرآن الكريم، عندما كنا صغارا نلتف حول المذياع للإنصات لصوت عظماء القراء وهم آنذاك الشيخ عبدالباسط وقيثارة السماء الشيخ محمد رفعت والفشنى والمنشاوى على محمود ومحمود على البنا ثم مدفع الإفطار فيحضر الكبار والصغار استعدادا للترديد خلف المؤذن فى مشهد يمتلئ بالروحانيات، ثم يأتينا صوت الشيخ النقشبندى بأهلا رمضان ونظل نطرب طوال الشهر بتلك الأصوات الراقية الرائعة التى تجذبك لسماعها لتنصت وتفهم التلاوة وكنا نلعب ونلهو بفانوسنا الزجاجى ذى الألوان الأربعة المزركشه ثم ندخل البيوت الدافئة العامرة بالحب والحنان بعد الصلاة والتراويح لنستمع إلى البرامج التراثية الممتعة فوازير رمضان والمسلسل التراثى ألف ليلة وليلة لبابا شاروا، وكان جدى وأبى يتنقلون ما بين مسلسلات الثنائى فؤاد وشويكار أو محمد رضا وصفاء رضا بوند. ثم حلقات قراءة القرآن والتى يطلق عليها المقرأة لنتعلم كيفية قراءة القرآن الكريم من كبارنا وغير ذلك ثم المسحراتى الذى يأتينا بطبلته الكبيرة ليقرع عليها وينادى على أصحاب البيوت كل على حدة ونستمع إلى أحسن القصص. وعلى الرغم من وجود تلفاز بعد ذلك لكن المذياع يظل يتربع على العرش خاصة فى رمضان، وأصبحت انتهج نفس النهج حتى الآن ثم تأتى الأيام الأخيرة التى تزلزل قلبى لشعورى باقتراب رحيل الشهر الفضيل ويأتنى صوت الشيخ سيد النقشبندى الرائع عبر المذياع بـ رمضان مهلا حتى ساعة الحسم وهى يوم الوقفة ليقول وداعا أيها الحبيب وموعدنا إذا عشنا قريب، وهنا أتحدى أى إنسان حتى لو قلبه حجر ألا يدمع ويشعر بالفقد لشهر روحانى فضيل فقد يقول البعض هل أنت أكثر منا عبادة أو تقوى فأقول لهؤلاء لا والله أبدا، لكنها حالة عاطفية دينية فعندما يقترب رحيل هذا الشهر بصفة خاصة تنهمر الدموع ويبدأ شوقنا له يسرى فى القلوب من جديد وهنا أحاول مرارا وتكرارا مقاومة دموعى المنهمرة التى اشتدت قبل تناول الإفطار فى آخر أيام رمضان، وخصوصا يوم الوقفة وأنا أودع الحبيب خاصة عندما يصدح صوت شيخ المنشدين وإمام المبتهلين الشيخ سيد النقشبندى كروان الإذاعة المصرية بتوديعه للشهر الكريم، وفى كل عام أحاول إخفاء دموعى وهذه عادتى فى أيام وداعه دوما لدرجة أن نظرات من يرانى تتساءل: هل وقع لى مكروه والعياذ بالله أو جملة مثل وش نكد، وهكذا وقس على هذه العبارات جملا كثيرة وهمهمات توحى بذلك، لدرجة أن البعض ممكن أن يغادر المائدة. واسمحوا لى أن أستخدم مقدمة هذا الابتهال الشجى الذى يزلزل الوجدان أثناء إذاعته عبر المذياع مع فقدان أيام الشهر الفضيل، والتى يقول مطلعها وداعا أيها الشهر الحبيب وموعدنا إذا عشنا قريب، ستوحشنا إذا ما الصبح نادى وتوحشنا إذا نادى المغيب وربنا يتقبل منا جميعا صالح الأعمال...