رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى الذكرى الـ٥٣ لحرب العاشر من رمضان

مصر تحتفل بجيش الصائمين

بوابة الوفد الإلكترونية

 

 

العميد محمد عبدالقادر من أبطال المدفعية يروى لـ«الوفد»:

الضباط والجنود المسيحيون صاموا مع إخوانهم المسلمين وانتصروا للوطن فى حرب الكرامة

«التوجيه المعنوى» أشعل الروح الوطنية وبث روح العزيمة فى قلوب الجنود

فى تلك الأيام الخالدة .. اختفت كلمة «أنا» وحل محلها «نحن» بين أفراد الشعب ومؤسساته

لم يحرر محضر سرقة واحد فى جميع مراكز الشرطة أيام الحرب

 

 

«سوف يجيء يوم نجلس فيه لنقص ونروى ماذا فعل كل منا فى موقعه، وكيف حمل كل منا الأمانة وكيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة فى فترة حالكة ليحملوا مشاعل النور ليضيئوا الطريق حتى نستطيع أن نعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء»، تلك هى بعض كلمات خطاب النصر للرئيس الراحل أنور السادات، بعد انتهاء الحرب، والتى يتذكر المصريون قادتها بكل فخر.

نعم ستظل حرب العاشر من رمضان الموافق يوم 6 اكتوبر 1973  الذى خاضه المصريون  بخير أجناد الأرض للدفاع عن الأرض والعرض، وهم فى شهر الصوم، رمزا من رموز التحدى والإصرار، فعلى الرغم  من إصدار الشيخ عبدالحليم محمود، شيخ الأزهر وقتها فتوى بجواز الإفطار لكل أفراد الجيش على الجبهة، إلا أن ضباط وجنود الجيش المصرى أصروا على الصيام حتى يلقوا الله شهداء صائمين إذا جاء أجلهم وهم يدافعون عن الوطن، حتى الجنود المصريون الأقباط كانوا يصومون من أجل إشعار زملائهم بأنهم على قلب رجل واحد، الجميع اختلط دمه بتراب الأرض، دون تفرقة بين مسلم أو مسيحى، الجميع كان على استعداد لأن تزهق روحه دفاعا عن شرف مصر، نعم كانوا جيش الصائمين، مسلمين ومسيحيين، والذين ضربوا أروع الأمثلة فى الدفاع عن الوطن، المسلم الصائم، والمسيحى الذى يصوم من أجل أخيه الجندى الصائم، لتنتصر الإرادة المصرية، فى حرب استعادة الكرامة وتراب الوطن. واليوم وفى الذكرى الـ ٥٣ لانتصار العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر1973 يقول  العميد محمد عبدالقادر من سلاح المدفعية ، وأحد أبطال هذا النصر العظيم : ليس منصفًا من ينظر إلى حرب العاشر من رمضان الموافق  السادس من أكتوبر من ناحية التخطيط العسكرى فقط على أهميته وكونه أهم عوامل النصر، ذلك أن هذه الحرب اجتمع لها من عوامل النجاح الكثير، وأولها توفيق رب العالمين، وجودة التسليح وكفاءة القائمين على التدريب، والإعداد الجيد للفرد المقاتل، كما أن منها التأهيل النفسى والأخلاقى والروحى.

ويضيف العميد محمد عبدالقادر : ولأننا تناولنا كثيرا فى مناسبة الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر المجيدة أغلب عوامل النصر فى تلك الملحمة الخالدة، فإنه قد آن الأوان لنركز على الجانب الروحى والذى أرى أنه لم ينل حظه، على أهميته، من التناول بالبحث والدرس والتمحيص، وذلك ما تربى عليه المواطن المصرى من نزعة دينية، وما تربى عليه من مبادئ الدين، وما نشأ عليه من حب لدور العبادة ولتعاليم الكتب المقدسة، فأنت لا تستطيع أبدًا الفصل بينه وبين معتقداته، وقد بدا هذا جليًا فى التكوين الروحى للجندى المصرى.

ومنذ بدء إعادة بناء القوات المسلحة المصرية عقب نكسة يونيو 1967 تنبهت الأجهزة المعنية فى القوات المسلحة لذلك، وأدركت ما لتنمية ذلك الجانب، وأعنى به الوعى الروحى للفرد المقاتل من أثر فى تحقيق إيمانه بقضية الوطن وتأكيد فكرة بذل الروح والإقدام على الشهادة فى سبيله عن قناعة وإيمان، فقامت وزارة الحربية فى تلك الفترة بإنشاء إدارة كاملة فى القوات المسلحة باسم «إدارة التوجيه المعنوي»  والتى تم لاحقا تغيير اسمها إلى «إدارة الشئون المعنوية» وتعنى أساسا ضمن مهامها بذلك الجانب الإيمانى والمكمل لباقى جوانب الاستعداد القتالى للفرد المقاتل (والمقصود هنا بالفرد المقاتل هو الضابط والجندى مسلما كان أو مسيحيا على حد سواء)، واستدعى ذلك إنشاء فروع وأقسام لتلك الإدارة فى الجيوش والمناطق والوحدات.

وأضاف: تم إلحاق الوعاظ ومقيمى الشعائر بالوحدات،  حتى مستوى الكتيبة،  تنمية للجانب الدينى، ولقد كان للاهتمام بهذا الجانب فعل السحر بين الجنود طوال سنوات التدريب الشاقة، فقد تم بذلك استكمال تكوين شخصية المقاتل من الناحية الوجدانية وترسيخ علاقته بربه من خلال توفير أدوات ووسائل تقوية تلك العلاقة.

ويشير العميد محمد عبدالقادر إلى أنه برز نجاح تلك الإجراءات وذلك التغيير خلال حرب العاشر من رمضان، ذلك أنه كما يعلم الجميع أنه من باب التمويه، وكان قد أعلن قبل بدء العملية أنها عملية تدريب تكتيكى بالذخيرة الحية لجميع الوحدات، ولذلك كان الجميع صائمين كما كان إعداد الوحدات الإدارية المسئولة عن الإعاشة متسقا مع الصيام، إلا أنه مع بدء العملية والإعلان عن أنها حرب التحرير، وكانت الأوامر قد صدرت لجميع الوحدات بالإفطار تحسبا لما هم مقدمون عليه من مشقة، وتم تعديل النظم الإدارية لتتمشى مع ذلك التوجه. ولكن الغريب أن أغلب الضباط والجنود قد استمروا على صيامهم عن قناعة بأن الصوم لا يشكل عائقا أمام بذل الجهد، وبالنظر إلى ما تربوا عليه فى سنوات التدريب، وما اكتسبوه من جرعات روحية عالية قد منحتهم الشجاعة والجرأة والقدرة على استكمال مهامهم صائمين مؤمنين بأن ما يقومون به من عمل فيه إرضاء لرب العالمين، وقد ينتهى بالشهادة  وهل هناك أجمل وأعظم أجرا من أن تلقى ربك شهيدا وأنت صائم؟ وقد أدرك القادة ذلك المعنى العظيم فلم يصروا على إلزام جنودهم بالإفطار.

ويوضح أنه كنتيجة للشحنة الإيمانية الكبيرة لدى الجنود كونهم فى شهر رمضان المبارك، شهر الغزوات، انطلقت حناجرهم بصيحة «الله أكبر» دون سابق اتفاق أو ترتيب مسبق فى لحظة انطلاق الطائرات وهدير المدافع معلنة بدء الهجوم. 

ويقول بطل المدفعية : ما أشبه اليوم بالبارحة لقد أعادت حرب العاشر من رمضان إلى الأذهان ذكرى حروب وغزوات الرسول الكريم فى مواجهة الكفار فى أحد وبدر والتى كان يحقق فيها وأتباعه النصر على أعداء الإسلام فى رمضان وهم صائمون.

ويضيف عبدالقادر: كان هناك دور كبير للعقيدة والتمسك بثوابت الأديان ووعى القيادة السياسية والعسكرية بمدى ارتباط الجندى بهما واستعداده للموت دفاعا عنهما، كما أن اختيار توقيت حرب التحرير لتكون فى شهر تغشاه الرحمة وله فى قلوب الجميع (مسيحى ومسلم) قدسية خاصة، ولعبت كل تلك العوامل دورها لتعلو بحماس الجنود وروحهم المعنوية للسماء، لتكون عاملا أساسيا من عوامل النصر. 

وعن الدروس التى حققت النصر فى العاشر من رمضان السادس من اكتوبر 1973، أكد العميد محمد عبدالقادر أن ما حدث بعد حرب 1967 شىء عجيب ما كان ليحدث سوى من المصريين، فقد تكاتف الجميع، وظهرت شعارات لا ننساها إلى اليوم، منها أنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وبدأت عمليات التبرع من كافة طوائف الشعب للمجهود الحربى ولبناء القوات المسلحة، يستوى فى ذلك الغنى والفقير، الرجل والسيدة، فتكونت جماعات لتلقى التبرعات، وتبرعت أغلب السيدات بحليهن من الذهب، ومن لم تجد تبرعت بخاتم الزواج، واستغنى الشعب راضيا عن كل ما هو ترف، بل أغلب ما هو ضرورى،  ومع ذلك لا تجد تذمرا أو ضيقا أو استياء، ولم نرَ من يفكر فى ترك البلاد أو الهجرة، بل كان الكل يعد الأيام والشهور انتظارا للمعركة الفاصلة والتى تعيد لهذا الوطن شرفه وكرامته. تلك كانت الروح المصرية المختزنة فى جينات هذا الشعب، والذى بطبعه يرفض الهزيمة، ويتوحد وقت الشدة، وما ان تمت إعادة بناء القوات المسلحة حتى أخذت فى إجراء التدريبات الشاقة والتى تؤهلها لخوض معركة الشرف، وأما عن اهم هذه الدروس فهو التلاحم والتعاضد بين الشعب وقواته المسلحة والذى بدا جليا كما أوضحنا فى تضحية الشعب من أجل توفير السلاح اللازم لقواته المسلحة.

ويضيف العميد عبدالقادر: نعم فى العاشر من رمضان السادس من أكتوبر ،اختفت  كلمة «انا» وحل محلها «نحن» بين أفراد ومؤسسات الشعب، فذاب الفرد داخل المجموع. وظهر الدور الوطنى التلقائى لأغلب رجال الأعمال فى التبرع لصالح المجهود الحربى وتخصيص أعداد من سيارات النقل الخاصة بشركاتهم وكتب عليها «مجهود حربي» لتمييزها، وتسليمها للقوات المسلحة دون مقابل من الدولة أو حتى طلب ذلك، وكان الالتفاف حول شعار يجسد الهدف من المرحلة مثل «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، فلا تجد من يسخر أو يحقر من هذا الشعار أو يبخل بمال أو جهد فقد وعى الجميع أهمية العمل به، كما كان إنكار الذات والذى تمثل على سبيل المثال فى رفض السيدة أم كلثوم  العودة لأرض الوطن بعد أن سقطت فى أحد مسارح باريس وكسرت ساقها أثناء غنائها فى حفل مخصص دخله لصالح المجهود الحربى خشية خسارة ذلك العائد، واستمرت فى غنائها جالسة طبقا للبرنامج المقرر. كما رفض جميع الفنانين تقاضى أجر عن أغانيهم الوطنية والتى أشعلت روح الحماس لدى الشعب، ومنهم عبدالحليم حافظ ومحمد عبدالوهاب ونجاة الصغيرة وفايدة كامل، وكانوا أعلام الغناء فى هذا الوقت.