سواعد من حديد
«بناة البيوت» فى رمضان بين مشقة الميدان وعزيمة الصيام
فى موقع إنشاءات لا يهدأ، تمتد الهياكل الخرسانية كعظام مدينة قيد التشكل، وتعلو الرافعات فوقها شاهدة على جهد لا ينقطع، هنا يعمل رجال يواجهون قسوة المهنة بصبر مضاعف، وهم يطوعون الحديد والأسمنت فى نهار رمضان، ومع كل موسم جديد من الصيام، يطل سؤال إنسانى بسيط: كيف يوازن بناة المدن بين فريضة دينية لها قدسيتها، وعمل شاق لا يعرف التوقف؟، من قلب هذا المشهد، التقت جريدة «الوفد» بالحاج محمد يوسف، مشرف البناء بأحد مواقع الإنشاءات، لينقل صورة واقعية عن تفاصيل العمل وإدارته خلال الشهر الفضيل.
الهروب من الظهيرة
يتحدث يوسف وهو يتابع حركة العمال بعين اعتادت التفاصيل، ويقول: إدارة الموقع تحاول أن تتعامل مع الشهر الكريم بواقعية، حيث يبدأ العمل من بعد صلاة الفجر مباشرة، ساعات هادئة يكون فيها الجسد أكثر قدرة على العطاء، قبل أن تتسلل علامات الإرهاق، وينتهى العمل عند الظهيرة تقريباً، لتجنب ساعات الذروة، ليعود العمال إلى بيوتهم، للراحة والعبادة وانتظار الإفطار، وفى الأعمال التى لا تحتمل التأجيل، مثل صب الخرسانة، يتحول الليل إلى بديل رحيم، فتستأنف الحركة بعد الإفطار، حين يستعيد الجسد بعض قوته، حتى منتصف الليل.
وبينما يمسح «سعيد» عرق جبينه، يراقب الهيكل الخرسانى بعين أتعبتها عشرون عاماً فى المهنة، يعتبر أن مهنتهم تتطلب قوة وتركيزاً مضاعفاً فى رمضان، حيث ينهكهم الصيام فوق إرهاق العمل المعتاد، خاصة حين يضطرون إلى العمل فى ظلام معتمدين على «الكشافات»، أو نهاراً تحت حرارة الشمس.
وعلى مقربة من رافعة الحديد، ينحنى «عبدالله» ليربط الأسلاك بإحكام استعداداً لصب السقف، مؤكداً أن العمل ليلاً هو الخيار الوحيد رغم مرارته، فلقمة العيش الصعبة تفرض نفسها كضرورة تفوق التعب الجسدى، لكن «عبدالله» لا يحمل هم الحديد وحده، بل يسكنه قلق إنسانى عميق على أسرته التى يتركها وحيدة فى ساعات الليل المتأخرة، حيث يظل باله مشغولاً ببيته الصغير بينما يداه تعبثان بالصلب والأسمنت.
ويشير الجميع إلى عم «إسماعيل»، أقدم العمال وأكبرهم سناً، وهو من يملك الحكمة والصبر، للتعامل مع شكاوى من حولهم، من ضجيج الموقع، حتى لو كان ذلك على حساب إنتاجيته، ليتحول ليل رمضان إلى كفاح يختلط فيه أجر العبادة بعناء الرزق.
رمضان الشتاء فرصة ذهبية
فيما يشير مشرف البناء يوسف وهو يراقب العمال إلى أن تغير توقيت رمضان فى السنوات الأخيرة لعب دوراً حاسماً فى تخفيف المعاناة، حين يأتى الشهر فى الشتاء، يصبح المجهود البدنى أكثر احتمالاً، وتقل حالات الإجهاد التى كانت شائعة فى مواسم الصيف القاسية، لأن حرارة الشمس والعطش هما أصعب ما نواجه خلال العمل فى رمضان، ويؤكد أن الموقع لم يشهد إصابات خطيرة مرتبطة بالصيام، معتبراً ذلك مزيجاً من حسن التنظيم ولطف الظروف.
ولكن يفاجئنا يوسف بواقعية، قائلاً: الصيام فى مواقع البناء ليس قراراً واحداً للجميع، فرغم تزامن رمضان هذا العام مع الشتاء، إلا أن هناك عدداً من العمال لا يصومون، سواء لصعوبة التوقف عن التدخين بالنسبة لهم، خاصة أثناء المجهود البدنى الشديد، أو لأن الصيام لم يكن جزءاً أصيلاً من تربيتهم الدينية منذ الصغر.
فيما يقف أكرم، النجار المسلح، يحمل المطرقة والحديد بين يديه، يؤكد أن هناك بعض العمال يتمسكون بالصيام مهما كانت المشقة، ويرون فى رمضان اختباراً للإرادة لا يقل أهمية عن صلابة المبانى التى يشيدونها، وهناك آخرون يجدون أن طبيعة العمل الشاق تضعهم أمام رخصة شرعية، خاصة فى المهن التى تتطلب مجهوداً عضلياً مضاعفاً كأعمال الحدادة والنجارة المسلحة.
ويرى المهندس المدنى محمد سيد، المسئول بالموقع، أن المسألة تترك لتقدير العامل نفسه، فالجسد أصدق من أى تعليمات مكتوبة، وسلامة العامل تأتى قبل أى شىء، أحياناً تكون المعركة الحقيقية ليست مع الجوع، بل مع العطش أو فقدان التركيز، وهى أمور قد تتحول إلى خطر حقيقى فى بيئة عمل لا ترحم الخطأ.
ويشير إلى أن هناك تنوعاً فى المهن داخل مواقع البناء فليست كل المهن على الدرجة نفسها من المشقة، فهناك من يعمل تحت الشمس مباشرة، يحمل ويثبت ويشد، وهناك من يؤدى عمله داخل المبانى المغلقة، حيث تقل وطأة الحرارة ويخف العبء البدنى نسبياً، وهذا التفاوت يجعل الحديث عن الصيام فى مواقع البناء حديثاً معقداً، لا يحتمل أحكاماً عامة أو إجابات جاهزة.
واختتم الحاج محمد مشرف البناء اللقاء مع «الوفد» بالإشارة إلى أن أول يومين فى رمضان يعتبر «إجازة مدفوعة الأجر» تقديراً للعمال، مؤكداً أن روح التكافل تظهر فى توفير وجبات إفطار جماعية للمتواجدين فى الموقع، لتبقى مهنة المقاولات شاهداً على صراع الإنسان مع الطبيعة والظروف فى سبيل لقمة العيش.
وهكذا، بين أصوات المعدات الثقيلة وهمسات الدعاء الصامتة، يمضى نهار رمضان فى مواقع البناء ببطء ثقيل. هنا، يصوم الجسد وهو يعمل، وتبنى المدن بسواعد تعرف معنى التعب، لكنها تعرف أيضاً أن الصبر، مثل الخرسانة، يحتاج إلى وقت ليشتد عوده.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض