رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

لا ينكر أحد الجهود الكبيرة التى تبذلها الدولة المصرية لدعم القطاع الصحى فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال السنوات الأخيرة، وما تم إطلاقه من مبادرات رئاسية رائعة مثل حملة 100 مليون صحة، ومبادرات الكشف المبكر عن أمراض مختلفة، وغيرها، إلا أنه فى ظل الظروف والتحديات التى واجهتها الدولة ولا زالت بات من الضرورى وضع خطة ورؤية واضحة لتعزيز ودعم قطاع الصحة مبنية على استراتيجية وطنية متكاملة وشاملة.

ففى وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتفاقم فيه التحديات الصحية والرعاية الصحية، تبرز قضية تطوير وتحديث منظومة العلاج على نفقة الدولة، وخطة مكافحة الأورام، كأحد أهم الملفات المرتبطة مباشرة بحق المواطن فى الحياة والرعاية الصحية، فالصحة لم تعد مجرد خدمة عامة بل أصبحت ركيزة أساسية من ركائز آلامن القومى، وهذا ما أكدت عليه بشكل واضح وصريح يوم الأحد الماضى خلال الجلسة لمجلس الشيوخ خلال مناقشة طلبى مناقشة عامة بشأن تحديث منظومة العلاج على نفقة الدولة وخطة مكافحة الأورام، بحضور الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة، حيث أكدت أن صحة المواطن المصرى أمن قومى لا يقبل المساومة أو التأجيل.

فالواقع الحالى لمنظومة العلاج على نفقة الدولة يكشف عن فجوة كبيرة بين الطموحات المشروعة للمواطنين، والقدرة الفعلية للنظام الصحى على تلبية احتياجاتهم، فعلى الرغم من الدعم الكبير الذى تقدمه الدولة للمنظومة، إلا أن بطء الإجراءات وتعقيدها، وتأخر صدور قرارات العلاج، وعدم كفاية المخصصات المالية المحددة لكل مريض، كلها عوامل تتسبب فى معاناة مضاعفة للمرضى غير القادرين، وتضعهم أمام اختبارات قاسية بين الألم وانتظار القرار، وبين الحاجة الملحة للعلاج والقدرة المحدودة على تحمل التكاليف.

والأرقام الرسمية تعكس جانباً من حجم الأزمة، إذ أصدرت الدولة خلال عام 2025 المنقضى قرابة أربعة ملايين قرار علاج على نفقة الدولة استفاد منها نحو 2.8 مليون مواطن بتكلفة تجاوزت 30 مليار جنيه، ورغم ضخامة الرقم، فإنه لا يزال بعيداً عن تلبية الاحتياجات الفعلية لملايين المرضى غير القادرين خاصة أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الحرجة، وهو ما يفرض ضرورة إعادة النظر فى فلسفة التمويل الصحى، عبر رفع مخصصات العلاج على نفقة الدولة لتواكب معدلات التضخم المتسارعة وارتفاع أسعار الدواء والخدمات الطبية، مع تبنى نظام تسعير مرن يضمن عدالة التوزيع وكفاءة الإنفاق.

لكن يظل التحدى الأكبر فى ملف الأورام والسرطان، الذى بات يمثل أحد أخطر التهديدات الصحية فى مصر والعالم، فالمرض لم يعد مجرد أزمة طبية، بل أصبح قضية تنموية وإنسانية تمس استقرار الأسر وقدرتها على الاستمرار، وتمس آلامن الاجتماعى والصحى، وتؤثر بشكل مباشر على الإنتاجية والاقتصاد الوطنى، وتكشف المعاناة اليومية لمرضى السرطان وأسرهم عن حجم الفجوة بين حجم الاحتياج المتزايد، والإمكانات المتاحة، سواء من حيث مراكز العلاج أو توافر الأدوية أو سرعة تقديم الخدمة.

هنا تبرز أهمية الانتقال من منطق العلاج بعد الإصابة إلى منطق «الوقاية والكشف المبكر»، عبر إطلاق برنامج وطنى شامل للكشف المبكر الإلزامى عن الأورام الأكثر شيوعاً، مثل سرطان الثدى والكبد والرئة والقولون، فالكشف المبكر لا ينقذ الأرواح فقط، بل يقلل أيضاً من تكاليف العلاج، ويخفف الضغط الهائل على المستشفيات المتخصصة، ويمنح المرضى فرصة حقيقية للشفاء.

وفى ضوء ذلك أصبح من الضرورى أن تلجأ الدولة إلى التصنيع المحلى لأدوية السرطان، ليس فقط لتقليل فاتورة الاستيراد وتخفيف العبء عن المرضى، بل لضمان استدامة توفير العلاج فى ظل تقلبات الأسواق العالمية وسلاسل آلامداد، علاوة على ضرورة تعزيز ودعم البحث العلمى وتوسيع الشراكات مع الجامعات والمراكز الدولية، لوضع مصر على خريطة الابتكار الطبى، بدلاً من الاكتفاء بدور المستهلك، كما يجب إنشاء مراكز علاج الأورام فى كل محافظة على مستوى الجمهورية لتخفيف معاناة المرضى فى السفر من وإلى القاهرة، وتخفيف التكدس والضغط على المستشفيات والمعاهد فى القاهرة والمحافظات الكبرى.

إن الاستثمار فى الصحة هو الاستثمار الأكثر جدوى، لأنه ينعكس مباشرة على الإنسان، عماد التنمية وأساس النهضة، لذلك تطوير منظومة العلاج على نفقة الدولة، وخطة مكافحة الأورام، لم يعد خياراً مطروحاً، بل ضرورة وطنية عاجلة، تفرضها اعتبارات العدالة الاجتماعية، ومتطلبات الأمن القومى، وحق المواطن فى حياة كريمة وآمنة.