رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

صغار يدفعون أعمارهم ثمناً لغضب الكبار

ﺣﻀﺮة اﻟﻘﺎﺗﻞ أﺑﻰ

بوابة الوفد الإلكترونية

مقتل 4 أطفال على يد والدهم بالإسكندرية ونجاة الخامس بإعجوبة
أب يقتل ابنته تجويعا فى قنا بسبب خلافات أسرية
خبير نفسي: إدارة الغضب فرصة الأباء لحماية أبنائهم
العنف الأسرى يصيب الأطفال بصدمة مركبة

 

فى لحظة غضب قد لا تتجاوز ثوانى تتحول الأسرة من مساحة أمان إلى ساحة صراع ويصبح الطفل الحلقة الأضعف والضحية الصامتة خلف الأبواب المغلقة، تتراكم الضغوط النفسية والاقتصادية والاجتماعية لتصنع واقع قاس يترك آثار عميقة فى النفوس وبين تبرير العنف باسم التربية والصمت خوفًا من الانتقاد تظل معاناة الأطفال مخفية ولا يملكون سوى الانتظار.
ففى الآونة الأخيرة ازدادت جرائم العنف الأسرى بشكل لا يصدقه عقل وتجسدت على أرض الواقع بجرائم هزت المجتمع بأكمله فهناك أباء لا يستحقون هذا اللقب تجردوا من كل معانى الأبوة والرحمة والإنسانية تبدلت قلوبهم بحجارة فبدلًا من أن يكون منبع الأمان أصبح منبع القسوة والعذاب.
فمؤخرا صحت مدينة الإسكندرية على واحدة من أبشع جرائم العصر، حينما أقدم أب على قتل أطفاله الأربعة، وتبين بعد ذلك أن القصة بدأت بشك وانتهت بدم، فبعد مرور عام على مقتل الأم فى ظروف غامضة، عاش الأب مع أولاده وكأن شيئًا لم يكن، ومؤخرًا قام بجريمته الأبشع حيث أخذ أولاده الأربعة إلى منطقة معزولة، وقدم لهم عصير يحتوى على مادة مخدرة وعندما دخل الأطفال فى غيبوبة خنقهم واحدا تلو الآخر، ثم هرب بعد تنفيذ جريمته، لكن التحقيقات أعادت فتح ملف الأم وربطت خيوط الواقعة، لتنتهى القصة بالقبض عليه فى محافظة الدقهلية.
لم تكن هذه الواقعة استثناء بل واحدة من سلسلة حوادث متشابهة تعكس نمط متكرر من العنف داخل الأسرة، حيث يتحول العقاب إلى تعذيب، والسيطرة إلى جريمة مكتملة الأركان. ففى واقعة مأساوية أخرى شهدت محافظة قنا وفاة فتاة بعد أن حبسها والدها داخل غرفة مغلقة ومنع عنها الطعام والشراب، ما أدى إلى وفاتها جوعًا وأوضحت التحقيقات أن الفتاة كانت مقيمة مع والدها، وأنه اتخذ قرار الحبس بسبب خلافات أسرية، مما أدى إلى تدهور حالتها الصحية بشكل سريع حتى فارقت الحياة وأكدت النيابة العامة أن الأب تم حبسه على ذمة التحقيقات بتهم الاحتجاز الإجبارى والتسبب فى الوفاة.
وبينما تنوعت صور العنف لم تتوقف المأساة عند الإيذاء الجسدى فقط بل امتدت إلى حالات اختلط فيها المرض النفسى بغياب الرعاية لتؤدى فى النهاية إلى مآسى حقيقية كما حدث فى واقعة أسيوط الأخيرة حين أقدمت سيدة على إلقاء ابنتها وابن شقيق زوجها من أعلى طابق فى المنزل ثم قفزت بعد ذلك، وأكد شهود عيان أن السيدة كانت تعانى حمى النفاس، ما أدى لسوء حالتها النفسية وأثر على إدراكها العقلى، ما دفع أهل زوجها إلى مراقبتها وحراستها ليل نهار. وأوضحت التحقيقات أن السيدة نجحت فى الإفلات من الرقابة، وارتكبت جريمتى القتل والانتحار فى لحظة ضعف وعجز عن السيطرة على حالتها النفسية.

الأسباب
هذه الوقائع المتتابعة تفتح الباب أمام تساؤلات عن أسباب العنف الأسرى، ودور التربية والوعى الدينى، وفى هذا السياق أكد الدكتور أحمد متولى سعد، أستاذ التربية بجامعة الأزهر، أن المجتمعات المعاصرة تواجه تصاعد مقلق فى مظاهر العنف، وعلى رأسها العنف الأسرى الموجه ضد الأبناء، والذى قد يصل فى بعض صوره إلى إزهاق أرواحهم، معتبرًا أن هذه الظاهرة من أخطر التحديات التى تهدد استقرار الأسرة وتماسك المجتمع.
وأوضح أن خطورة العنف الأسرى لا تقتصر على الفعل الإجرامى ذاته، بل تمتد إلى ما يخلّفه من آثار نفسية وتربوية عميقة على الأطفال، تعكس خللًا واضحًا فى منظومة القيم، وضعفًا فى الوعى الدينى والتربوى، وقصورًا فى إدارة الضغوط والانفعالات، فضلًا عن التأثير السلبى للانغماس غير المنضبط فى وسائل الاتصال الحديثة، وما تقدمه بعض وسائل الإعلام، خاصة الدراما التلفزيونية، من مشاهد تُسهم فى تطبيع العنف والترويج له، بما يؤثر فى وعى المشاهدين ويشجع على تقليد السلوكيات العدوانية.
وشدد على أن المنظور الشرعى والرؤية التربوية المعاصرة يتفقان على أن العنف ضد الأبناء يمثل انتهاكًا صريحًا لحقوق الطفل، ويتعارض بشكل مباشر مع مقاصد الشريعة الإسلامية وأسس التنشئة السليمة القائمة على الرحمة والرعاية والحماية، مشيرًا إلى أن الإسلام جاء بتشريع محكم يحفظ النفس الإنسانية ويصون كرامتها، وجعل حفظ النفس من الضروريات التى لا يجوز المساس بها تحت أى ذريعة.
وأوضح أن العنف الأسرى ضد الأبناء، سواء كان جسديًا أو نفسيًا أو لفظيًا، يندرج ضمن دائرة الظلم المحرم شرعًا، لكونه إيذاءً لمن لا يملك الدفاع عن نفسه، مؤكدًا أن الأبناء أمانة فى أعناق آبائهم، وليسوا ملكًا لهم أو وسيلة لتفريغ الغضب أو الإحباطات الشخصية. وأضاف أن النبى صلى الله عليه وسلم أرسى مبدأ الرحمة كقاعدة حاكمة داخل الأسرة، ودعا إلى الرفق فى التعامل، لما له من أثر فى الإصلاح والتقويم.
وأكد أن الشرع الحنيف حمل الآباء مسؤولية شرعية وتربوية مضاعفة تجاه أبنائهم، لا تقتصر على النفقة والرعاية المادية، بل تشمل توفير الحماية النفسية وبناء المنظومة القيمية وتعزيز الشعور بالأمان داخل الأسرة، لافتًا إلى أن هذه المسؤولية قائمة على الأمانة والمساءلة، لا على القهر أو التحكم.
وشدد على أن التأديب فى الإسلام ليس إباحة مطلقة، بل تحكمه ضوابط شرعية دقيقة، ويجب أن يكون مرتبطًا بهدف الإصلاح، وبعيدًا عن العنف أو الإيذاء، بما يحفظ كرامة الأبناء ويصون حقوقهم الإنسانية.
وأوضح الدكتور سعد أن الدراسات التربوية والنفسية الحديثة أثبتت أن العنف الأسرى يترك آثار ممتدة فى شخصية الطفل، من بينها فقدان الشعور بالأمان، وتدنى تقدير الذات، وارتفاع معدلات القلق والخوف، فضلًا عن الميل إلى السلوك العدوانى، مشيرًا إلى أن التعرض للعنف داخل الأسرة يزيد من احتمالية إعادة إنتاجه فى مراحل لاحقة من الحياة، ما يحوّله إلى نمط سلوكى يهدد استقرار المجتمع.
وأشار إلى أن أسباب العنف الأسرى تتعدد، ويأتى فى مقدمتها ضعف التربية القيمية، وسوء الفهم الدينى، والجهل بأساليب التنشئة السليمة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والمشكلات الأسرية والعجز عن إدارة الغضب، مؤكدًا أن هذه الأسباب لا تمثل بأى حال مبررًا شرعيًا أو تربويًا لممارسة العنف، بل تكشف الحاجة إلى برامج إرشاد أسرى وتأهيل تربوى.
وأكد على أهمية ضبط الغضب داخل الأسرة، موضحًا أن السنة النبوية قدمت توجيهات عملية للتعامل مع الغضب قبل تحوله إلى سلوك مؤذ، وهو ما يتسق مع مبادئ التربية الحديثة التى تدعو إلى تأجيل أى تصرف تربوى لحين استعادة الاتزان النفسى.
وشدد على أن مسؤولية حماية الأطفال من العنف لا تقع على الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المجتمع بمؤسساته الدينية والتعليمية والإعلامية والتشريعية، محذرًا من أن الصمت أو التستر على حالات العنف يمثل مشاركة غير مباشرة فى استمرار الجريمة، ومطالبًا بتفعيل آليات الرصد والتدخل المبكر، وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ.
واختتم «سعد» حديثه بالتأكيد على أن تمكين الأطفال تربويًا، وتنمية وعيهم بحقوقهم، وتعليمهم التعبير عن مشاعرهم وطلب المساعدة، يمثل خط دفاع أساسى فى مواجهة العنف، مشددًا على أن حماية الطفولة واجب شرعى وإنسانى ومجتمعى، وأساس لبناء أجيال مستقرة نفسيًا وقيميًا.

دوافع نفسية
بينما ركزت التوجيهات التربوية والدينية على البعد القيمى والمسؤولية الأسرية، يسعى المتخصصين فى الصحة النفسية إلى تحليل الظاهرة من الداخل للكشف عن الدوافع النفسية الخفية التى قد تحول الأب من مصدر أمان إلى تهديد، أكد الدكتور شريف الراعى، رئيس قسم الإرشاد النفسى بقطاع المدن الجامعية بجامعة عين شمس، أن الفطرة الإنسانية السوية تقوم على حماية الصغار ورعايتهم، إلا أن الواقع يكشف أحيانًا عن ظواهر مأساوية تخرج عن هذا السياق، من أبرزها ما ظهر مؤخرا من قتل الآباء للأبناء، مشددًا على أن هذا السلوك لا يمكن اعتباره قسوة عابرة، بل هو نتيجة تعقيدات نفسية وتراكمات ممتدة تنفجر فى لحظة غياب للوعى والسيطرة.
وأوضح أن علماء النفس يرصدون عدة دوافع قد تقف خلف إيذاء الأبناء، من بينها ما يعرف بـ«الإيثار المأساوى»، حيث يعتقد الأب المصاب باكتئاب حاد أنه ينقذ طفله من معاناة الحياة، لافتًا إلى أن الذهان الحاد قد يلعب دورًا رئيسيًا فى بعض الحالات، حين يفقد الأب الاتصال بالواقع ويخضع لهلاوس تدفعه إلى سلوكيات عنيفة.
وقال إن من بين الدوافع النفسية أيضًا ما يعرف بـ«انتقام ميديا»، حيث يستخدم الطفل كوسيلة لإيذاء الشريك الآخر عاطفيًا، فضلًا عن حالات الإيذاء الناتجة عن سوء معاملة مفرطة أو محاولات تأديب عنيفة تخرج عن السيطرة، نتيجة ضعف التحكم فى الانفعالات أو وجود تاريخ سابق من العنف عاشه الأب فى طفولته.
وأشار «الراعى» إلى أن الاكتئاب والضغوط النفسية يمثلان الوقود الخفى لكثير من هذه السلوكيات، مؤكدًا أن العنف لا يبدأ بشكل مفاجئ، بل يمر بمراحل يتحول فيها الشخص من ضحية لضغوطه إلى جانٍ على أسرته. وأضاف أن انخفاض عتبة الصبر لدى بعض الآباء يجعلهم أكثر عرضة للانفجار الغاضب أمام مواقف بسيطة.
وأوضح أن الاكتئاب لدى الرجال قد يظهر فى صورة غضب وسرعة انفعال ومحاولات سيطرة مفرطة، كآلية لتعويض الشعور بالعجز الداخلى، لافتًا إلى أن بعض الأباء يلجأون إلى ما يعرف بآلية «الإزاحة»، من خلال تفريغ غضب العمل وضغوط الحياة فى الحلقة الأضعف داخل المنزل. كما أشار إلى أن تعاطى المواد المخدرة يسهم فى إضعاف مراكز التحكم فى الدماغ، ما يفقد الشخص قدرته على الكبح الذاتى ويزيد احتمالات العنف.
وأكد أن مساعدة الأباء على إدارة الغضب تمثل عملية إعادة تدريب للجهاز العصبى، وتبدأ بإدراك العلامات الجسدية المبكرة للغضب مثل تسارع ضربات القلب أو شد الفك، والالتزام بالتوقف لبضع ثوانى قبل رد الفعل، والابتعاد المؤقت عن مصدر التوتر، مع استخدام التنفس العميق لتهدئة الجهاز العصبى. وأضاف أن التعبير عن المشاعر بأسلوب هادئ يبدأ بـ«أنا أشعر» بدلًا من الاتهام، إلى جانب تفريغ الضغوط عبر الرياضة أو تخصيص وقت انتقالى بعد العمل، من الأساليب الفعالة فى الوقاية من الانفجار الغاضب.
وحذر الدكتور شريف الراعى من الآثار النفسية العميقة التى يتركها العنف الأسرى على الأطفال، موضحًا أنه قد يؤدى إلى ما يعرف بالصدمة المركبة، والتى تضعف شعور الطفل بالأمان وتدمر قدرته على الثقة بالآخرين مستقبلًا. موضحا أن التعرض المستمر للعنف يدفع الطفل إلى تبنى السلوك العدوانى كوسيلة وحيدة لحل المشكلات، فضلًا عن تشوه صورة الذات، وتدنى تقدير النفس، واضطرابات الذاكرة والتركيز نتيجة العيش فى حالة تأهب دائم.
وأكد أن الوقاية تبدأ من داخل الأسرة عبر التوعية بأساليب التربية الإيجابية وخلق بيئة آمنة للأطفال، مشيرًا إلى أن دعم الطفل نفسيًا فى حال تعرضه للعنف أمر بالغ الأهمية، من خلال تصديق مشاعره وتعزيز ارتباطه بشخص بالغ آمن يقدم له الدعم والحب غير المشروط، كما شدد على دور المدرسة والجهات الرسمية فى الاكتشاف المبكر للحالات المعرضة للخطر، وتفعيل آليات الحماية والتدخل السريع.
واختتم «الراعى» بالتأكيد على أن الاعتراف بأن الضغوط النفسية قد تحول الأب إلى مصدر خطر هو الخطوة الأولى نحو الوقاية، موضحًا أن التدخل النفسى ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية الأطفال من ندوب نفسية قد تمتد معهم طوال حياتهم. وأشار إلى أن العنف لا يختفى بل قد يتوارث عبر الأجيال، مؤكدًا أن كسر هذه الدائرة يبدأ بالوعى وبناء بيوت آمنة تليق ببراءة الطفولة.