كاتب هذه السطور، يسرد بعض الذكريات عن انتصارات حرب السادس من أكتوبر المجيدة ١٩٧٣، وهى كالتالى: حيث كنت من بين أحدث الدفعات التى تخرجت في الكلية الفنية العسكرية وشاركت فى حرب أكتوبر ٧٣، وكنت برتبة نقيب أثناء الحرب، وكانت خدمتى بأحد تشكيلات القوات الجوية، وقد قمت بعمل تعديل فنى لدوائر أنظمة التسليح لبعض الطائرات حتى تستطيع تنفيذ مهام إضافية، فى هذه الحرب، وقد شكرنى قائد القوات الجوية وقتئذ السيد اللواء طيار محمد حسنى مبارك، على ما قمت به لخدمة القوات الجوية والوطن أثناء الحرب. وأود أن أذكر بعض الأسباب الرئيسية للنصر فى حرب السادس من أكتوبر ٧٣:
أولًا: وجود القادة العظام الأَكْفَاء، وعلى رأسهم الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بطل الحرب والسلام.
ثانياً: استخدام طلمبات المياه، التى أبهرت العالم ونجحت فى تسهيل فتح الثغرات فى الساتر الترابى لخط بارليف،
الذى قال عنه اليهود إنه لا يمكن تجاوزه إلا باستخدام قنبلة نووية، وكانت فكرة المقدم مهندس / «باقى زكى ياقوت» المبدع، لتَعْبُر قواتنا من المشاة والمدرعات لتستولى على الحصون الإسرائيلية، ما صنع الخطوة الأولى فى انتصارنا التاريخى على الجيش الإسرائيلى.
ثالثاً: اختيار توقيت الحرب.. الذى تم طبقًا لدراسة دقيقة قام بها العقيد أ ح / «صلاح فهمى نحلة» العبقرى، ضابط بهيئة العمليات للقوات المسلحة، لاختيار الشهر واليوم والساعة كالآتى: اختيار الشهر، فكان وقت الخريف، حيث اعتاد العدو مراقبة المناورة المصرية السنوية، وقبل سقوط الجليد على هضبة الجولان. اختيار اليوم، فكان يوم عيد الغفران اليهودى حيث تتوقف الحركة تمامًا بما يربك خطة التعبئة، ومناسبته ليوم العاشر من رمضان، وتوقيت شروق وغروب القمر وعلاقته بالمد والجزر لإنشاء الكبارى، وتوقيت عبور الدبابات، كما أنه توقيت قريب من موعد غزوة بدر ( ١٧ من رمضان )، مما يزيد الدافع الروحى والمعنوى. أما اختيار الساعة، الساعة الثانية ظهرًا وكانت مفاجأة، لأنها عكس المتبع عالميًا، حيث غالبًا ما تبدأ الحروب، أول أو آخر ضوء، كى يتبقى جزء من النهار لإمكانية تكرار الضربة الجوية، ولعبور الموجات الأولى من جنودنا لقناة السويس، ومهاجمة خط بارليف، وإعداد دفاعات مضادة لاحتياطى دبابات العدو القريبة، وفتح الثغرات فى الساتر الترابى استعدادًا لتركيب الكبارى خلال الليل، حتى تتمكن الدبابات من العبور.
رابعاً: السرية التامة فى تجهيزات الحرب وتوقيت الهجوم. ففى صباح يوم الحرب الموافق يوم السبت السادس من أكتوبر ١٩٧٣م، وفى إحدى القواعد الجوية، قمنا بتجهيز الطائرات لطلعة جوية، لا نعرف الغرض أوالهدف من هذه الطلعة، وكانت المعلومات المتوفرة لدينا أنها طلعة تدريب بذخيرة حية، ومن الطريف أنه مخطط نزولى أجازة فى هذا اليوم، وأُلغيت الإجازات فى صباح نفس اليوم، وهذا يدل على قمة السرية فى التجهيز للحرب، وأكد على ذلك أثناء حضورى لقاء مع السيد المشير / محمد حسين طنطاوى، وزير الدفاع الأسبق (رحمه الله)، وهو أحد أبطال حرب السادس من أكتوبر ٧٣، قائلًا: إن السبب الرئيسى للنصر فى هذه الحرب، هو السرية التامة فى جميع مراحل الاستعداد للحرب، وتوقيت الهجوم.
خامساً: التدريب العالى المستوى، والروح المعنوية المرتفعة لأفراد الجيش المصرى، والتصميم على القتال؛ لتحرير الأرض واسترداد كرامة الوطن. ولن أنسى، القائد اللواء طيار / محمد حسنى مبارك، قائد القوات الجوية، قبل حرب السادس من أكتوبر ٧٣، وهو يقوم بالمرور على القواعد الجوية بمختلف المناطق الجوية على مستوى الجمهورية، يوميًا نهارًا وليلًا؛ لمتابعة التدريبات الجوية وتأمين الطائرات، والاطمئنان على الروح المعنوية للأفراد. وقد صادف أنه مر على القاعدة الجوية التى كنت أخدم بها، الساعة الحادية عشرة مساءً، وكنت معينًا ضمن طاقم الخدمة فى هذه الليلة، ومتواجدًا بالمكتب، وسألنى عن حراسة وتأمين الطائرات، والروح المعنوية للجنود، ثم وضع يده على ظهرى كعادته، وغادر المكتب، وبعدها علمت أنه قام بالمرور على ممر الطائرات واطمأن على الحراسة بنفسه، قبل المرور على مكتب قائد الوحدة.
ومن مفارقات القدر، أنه كان فى نفس الوحدة التى خدمت بها أثناء حرب السادس من أكتوبر ٧٣، زملائى الثلاثة، وهم الرائد حسين مسعود، والنقيب وائل المعداوى، والنقيب عبدالعزيز فاضل، الذين أصبحوا وزراء للطيران المدنى، ومحافظ بدرجة وزير.
وفى هذه المناسبة، أود أن أذكر إحقاقًا للحق، أنه كما كانت حرب السادس من أكتوبر ٧٣، هى حرب استرداد كرامة الشعب المصرى والأرض المغتصبة، فإن التاريخ سوف يذكر ما قام به الرئيس / عبدالفتاح السيسى، من قيادة ثورة لإنقاذ مصر فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣م، ثم قاد ثورة أخرى أشد صعوبة وهى ثورة بناء مصر، بعمل نهضة شاملة فى جميع المجالات الصناعية والزراعية والإنتاجية والأمنية، والبنية التحتية وإنشاء المدن الجديدة لتأمين المناطق الحدودية كأمن قومى لمصر.
وأخيرًا، كاتب هذه السطور يعتز بمشاركته فى حرب أكتوبر ٧٣، ويعتبرها أهم إنجاز حدث فى حياته، فضلًا عن حصوله على درجة الدكتوراه فى الهندسة من إنجلترا، وتقلده منصب محافظ المنوفية.
محافظ المنوفية الأسبق
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض