حصن أمان الدولة ضد الأطماع الخارجية
الشعب .. سلاح صامد عبر العصور
اللواء محمود منصور: الأمن القومى يبدأ من العقل لا من المدفع

اللواء سامح أبوهشيمة: الشائعات.. قنابل موقوته تستهدف انهيار الأوطان

فى زمن تتغيّر فيه أدوات الحروب وتتشابك فيه خيوط الصراعات، تبقى الشعوب هى السلاح الأصدق، والدرع الأقوى. وبين شعوب المنطقة، ظلّ الشعب المصرى استثناءً تاريخيًا، يقف عند كل منعطف كجدار منيع تتكسّر عليه موجات الفوضى والمؤامرات.
فمن غزوات الهكسوس إلى حملات المرتزقة، ومن أطماع الإمبراطوريات إلى مؤامرات الداخل، لم تكن مصر لتنجو دون وعى أبنائها، وصبرهم، واستعدادهم الدائم للدفاع عن هويتهم وحدودهم وسيادتهم.
واليوم، وفى محيط يشتعل من كل الجهات، حيث تتقاطع النيران من إيران إلى إسرائيل، وتضطرب حدود ليبيا والسودان، يُعاد اختبار هذا السلاح الأصيل: الشعب.
فى هذا التحقيق، نرصد كيف شكّل الشعب المصرى على مرّ العصور صمام أمان الدولة، وسرّ صمودها، وشريك جيشها فى معارك البقاء، وكيف تبنى مصر اليوم استراتيجيتها الأمنية على مزيج فريد من القوة العسكرية والوعى الشعبى.
من شرق المتوسط إلى العمق الإفريقى، ومن صحراء ليبيا حتى مرتفعات البحر الأحمر، تبدو مصر كأنها واقفة فوق صفيح ساخن، نيران الحرب المشتعلة بين إيران وإسرائيل تقف على بعد خطوات من الممرات الحيوية، بينما يغلى المثلث الحدودى بين السودان وليبيا وتشاد فى دوامة من الفوضى. وبين هذا وذاك، تبقى مصر كما كانت عبر التاريخ: هدفًا ثمينًا، وقلعة محصنة.
تساؤلات عديدة تطرح حول الأوضاع الحالية منها، كيف واجهت مصر هذا الخطر الممتد من الجغرافيا والتاريخ؟ وكيف طوّرت قدراتها عبر القرون لتصبح اليوم واحدة من أقوى الدول دفاعيًا فى محيطها؟ وما سرّ هذا الرابط العجيب بين تركيبة شعبها وصلابة دفاعاتها؟
الخطر من كل الجهات
قال اللواء سامح أبوهشيمة، الخبير العسكرى، إن الأزمة تتصاعد من الجنوب فى السودان، فوضى مسلحة وانهيار مؤسسات، مع تمدد لميليشيات ومرتزقة على مقربة من الحدود الجنوبية لمصر. أما فى الغرب، فالوضع فى ليبيا ما زال هشًّا، والفراغ الأمنى يتيح للجماعات المسلحة ومهربى السلاح والبشر التمدد شرقًا.
وأضاف أما فى الشرق الأوسط، حيث ساحة الحرب الكبرى بين إسرائيل وإيران، تتحول سماؤه إلى حلبة لصواريخ ومسيرات، مع تصاعد خطر اشتعال المنطقة بأكملها، وإمكانية تهديد الملاحة فى قناة السويس أو البحر الأحمر، مشيرًا إلى أنّ كل هذه الملفات تضع الجيش المصرى فى حالة تأهب دائم، وتعيد إلى الواجهة واحدة من أقدم الحقائق الجغرافية، أن موقع مصر كان على الدوام نعمة ونقمة، ما يتطلب استراتيجيات أمنية معقّدة ودفاعات متطورة.
عندما كانت مصر قلب العاصفة
وأوضح أنّ هذه ليست المرة الأولى التى تجد فيها مصر نفسها محاطة بالنيران، ففى العصور الفرعونية، كانت الغزوات تأتى من الشرق غالبًا. ومع كل هجوم، كانت مصر تتعلّم وتبتكر. عندما هاجمها الهكسوس بأسلحة لم تكن تعرفها، واجهت الصدمة، ثم نهضت وصنعت جيشًا نظاميًا قويًا، وطردت الغزاة وأغلقت مداخل البلاد بالحصون والتحصينات. هنا وُلدت فكرة «الدفاع المتقدّم»، التى جعلت من سيناء دائمًا خط الدفاع الأول.
وتابع: ثم جاءت العصور الإسلامية، وتكررت نفس الفكرة: تحصينات على الحدود، وتمركزات عسكرية فى النقاط الحساسة، وتجنيد واسع فى أوقات الخطر.
وأشار إلى أن فى زمن محمد على باشا، أدركت مصر أن الحماية لا تكون فقط من موقع الدفاع، بل بالتمدّد الاستراتيجى، فبنى جيشًا حديثًا، وأرسل حملات نحو السودان والحجاز والشام، لتأمين «العمق الاستراتيجي».
وفى حروب القرن العشرين، عرفت مصر أن البحر لم يعد حاجزًا بل ميدان مواجهة، فأسست قوات بحرية قوية، ثم دخلت العصر الجوى بثقة، لتصبح القوات الجوية عنصرًا حاسمًا فى معارك البقاء، كما حدث فى حرب أكتوبر 1973.
تطور المنظومة الدفاعية.. من السيوف إلى الأقمار الصناعية
وأشار الخبير العسكرى إلى أنّ المنظومة الدفاعية المصرية بثلاثة تحولات رئيسية:
التحصينات الطبيعية: من وادى النيل المحاط بالصحراء، ومرورًا بسيناء كدرع رملى، إلى الحدود الغربية التى يصعب التوغل منها بلا دعم لوجستى، كان الجغرافيا خط الدفاع الأول.
الجيش المركزى القوي: منذ عصر محمد على، أصبحت «المؤسسة العسكرية» هى العمود الفقرى للدولة. فتم تطوير أسلحة المدفعية، ثم الدخول إلى عصر الدبابات والطيران، والآن دخلت مصر مرحلة حرب المعلومات والطائرات بدون طيار، والأقمار الصناعية.
الردع الإقليمي: لا تعتمد مصر فقط على الدفاع، بل تتبنى استراتيجية الردع المتوازن. قاعدة «برنيس» فى البحر الأحمر، وقاعدة «محمد نجيب» فى الغرب، وعشرات المطارات العسكرية المحدثة، تؤكد أن الجيش قادر على التحرك فى أكثر من جبهة فى وقت واحد.
واختتم: لم تعد الحروب تُخاض فقط على الحدود، بل داخل عقول الناس. الشائعات أخطر من القنابل حين تجد عقولًا خاوية. لكن ما يميز الشعب المصرى هو وعيه التاريخى، وقدرته الفطرية على التمييز بين الحقيقة والتشويه. فى كل أزمة، يثبت المواطن البسيط أنه خط الدفاع الأول ضد حملات التشكيك وهدم الثقة فى الدولة».
التهديدات الجديدة.. وحالة التأهب الدائم
من جانبه قال اللواء محمود منصور الخبير العسكرى، إنّ فى ظل الحرب الإيرانية الإسرائيلية، وأمام تهديدات الملاحة العالمية، ونشاط القواعد العسكرية الدولية على حدود البحر الأحمر، لا يمكن لمصر أن تأخذ الأمور ببساطة.
وأضاف: لذا رفعت القاهرة مستوى الجاهزية على الحدود، وأطلقت تدريبات عسكرية مع دول صديقة، ونشّطت التعاون الاستخباراتى، خصوصًا مع عودة ظاهرة المرتزقة، وانتشار طائرات الدرونز، وحروب الجيل الخامس.
واستكمل: أصبحت الحرب الآن لا تبدأ بقصف، بل بهجوم سيبرانى، أو حملة تضليل إعلامية، أو انهيار فى سلاسل الإمداد. ومصر، التى تفهمت هذا التحول، دخلت سباق التكنولوجيا الدفاعية، وبدأت تطوير صناعات عسكرية وطنية فى مجالات دقيقة.
مستقبل الأمن القومى.. معادلة التوازن
وأردف: ليس من المبالغة القول إن مصر اليوم أقوى مما كانت عليه قبل عقود، ليس فقط عسكريًا، بل من حيث الخبرة الاستراتيجية، والقدرة على المناورة، وإدارة الأزمات.
المصريون.. خط الدفاع الأخير فى دهر القوات المسلحة والشرطة
وسط محيط مشتعل ومخاطر لا تتوقف عند الحدود، يبرز دور الشعب المصرى بوصفه الحاضنة الصلبة التى تتكئ عليها مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة والشرطة. لم يكن الأمن القومى فى يوم من الأيام مهمة تخص الجيش وحده، بل كان الشعب دومًا فى قلب المعادلة، حارسًا لهويته، ورافضًا لمحاولات الاختراق والتشويه، وصامدًا أمام حملات التضليل والتفكيك.
فى 2011 و2013، وقف ملايين المصريين ليعيدوا رسم المشهد السياسى والأمنى، مدركين أن غياب الدولة يعنى الفوضى. وفى السنوات التى تلت، دفع المصريون ثمن الأمن من أرواح أبنائهم فى صفوف الجيش والشرطة، ومن استقرارهم اليومى، واقتصادهم الذى واجه تحديات كبرى. لكنهم، كما اعتادوا عبر العصور، تحمّلوا وصبروا، لأنهم يعرفون أن المعركة لم تكن يومًا على حدود الخرائط فقط، بل فى عمق الوعى والهوية والسيادة.
يشير اللواء محمود منصور إلى أن «الدولة القوية لا تكتمل إلا بشعب واعٍ»، مؤكدًا أن الحرب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالمدافع والطائرات، بل بالعقول، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، بين الأمن والابتزاز، وبين الدولة والميليشيا. وأضاف: «حين يتحول كل مواطن إلى رقيب ودرع فى محيطه، تصبح الدولة منيعة من الداخل قبل الخارج».
لذلك، ترافقت استراتيجية الدولة فى تأمين الحدود مع سياسات تثقيفية وتوعوية لتعزيز الانتماء والوعى الوطنى، عبر الإعلام، والمناهج التعليمية، ومبادرات التثقيف المجتمعى. وبالتوازى، أطلقت الحكومة مشروعات تنموية فى المناطق الحدودية، من سيناء إلى مطروح إلى حلايب وشلاتين، لتقوية الارتباط بين الأطراف ومركز الدولة، وتحويل سكان هذه المناطق إلى شركاء فى الأمن لا مجرد متلقين للحماية.
كما أسهمت المبادرات المجتمعية، مثل الدعم الشعبى لأسر الشهداء، والمشاركة الواسعة فى المناسبات الوطنية، فى تكريس ثقافة «الشعب المقاوم»، الذى لا يسمح بسقوط مؤسساته ولا يساوم على وطنه.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض