بدون رتوش
الخميس القادم تحل الذكرى المئوية لميلاد قداسة البابا الراحل «شنودة الثالث» بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية. ذكرى الميلاد تستحضر قداسته بوصفه موسوعة العطاء الفكرى النادر، وتستحضر تراثه الزاخر بالكثير، والذى تم من خلاله تعزيز قيم التسامح الدينى والوحدة والانصهار الوطنى القومى، ونبذ التعصب والتطرف، والدعوة إلى أن يسود السلام والمحبة والعدل وتحرير الإنسان، والبعد عن التوتر وإشعال الحروب. سيرته الثرية تستدعى حرصه على نشر دعاوى المحبة والتفاهم بين الكنيسة القبطية وسائر المؤسسات الدينية فى مصر والعالم ليظل للكنيسة القبطية مساهمتها القيمة فى شرح أبعاد العطاء الروحى والفكرى.
لم يكن من السهل نسيان هذا العملاق فكرًا وثقافة وحكمة. لقاءاتى العديدة مع قداسته تستدعى لى روحانيته الشفافة، فهى العملة الصعبة التى سكنت كل من اقترب منه وتعامل معه. اليوم أتذكر الحوارات التى أجريتها مع قداسته على مدى سنوات عديدة غمرنى خلالها بثقافة موسوعية عالية القيمة، ثقافة رائقة فى المعنى والمبنى. كان حريصًا على أن يحلل كل حدث وكل قضية بموضوعية ودقة. ملك شفافية رحبة صرح من خلالها بالحقيقة. كان همه الأكبر يتركز على الوحدة الوطنية فى الداخل، والوحدة العربية فى الخارج. وكثيرًا ما ردد أمامى الآية القرآنية: «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا»، ويأتى ذلك فى معرض دعوته للعرب بالتحلق حول كلمة واحدة والبعد عن الانقسام.
عبر حواراتى معه غمرنى بفيض زاخر من المعلومات ساعده فى ذلك ذاكرته الحية اليقظة المتجددة التى تنبض بالكثير من المشاعر. كان ينبوعًا من الحكمة لم يضن بها على أحد وإنما نثرها على الجميع، ولهذا جاءت عباراته وميضًا من الحكمة الرائقة. حباه الله موهبة نادرة صاغ من خلالها بحرفية بليغة أجمل العبارات، فعندما يتحدث عن رجل الدين يقول: (يجب ألا يتم توظيف رجل الدين حسب الأهواء على أساس أنه قائد لا مقود)، وعن الإنسان الصالح يقول: (الإنسان الصالح يكون صالحا فى غاياته ووسائله أيضاً)، وفى معرض حديثه عن معالجة الأمور يقول: (ينبغى معالجة الأسباب قبل النتائج)، وعندما يتطرق إلى عالمنا اليوم يقول: (العالم تحكمه القوة وليس السياسة ولا العدل)، ويقول عن إسرائيل: (إسرائيل واجهة للقهر والتسلط وسلب الحقوق واغتصابها)، وعن السياسة يقول: (السياسة غايتها المصلحة ووسيلتها القوة)، ويسوق نصيحة للعاقل فيقول: (فليصمت العاقل فى ذلك الزمان لأنه زمن رديء).
كان قداسته عملة نادرة ظفر بحب الجميع كقيمة وقامة دينية ووطنية وسياسية، أنه موسوعة العطاء النادر، أضفى بإنسانيته الرحبة شعورًا بالانتماء للوطن، كان نموذجًا فى عالم القيم والمبادئ، ولهذا كثيرًا ما يراود المرء شعور بأن قداسته لم يرحل عن دنيانا؛ إذ تبقى للعظيم بصماته وتعاليمه السمحة، ووميض نغماته الروحية. رحم الله قداسة البابا شنودة الثالث الذى لا أظن أن باستطاعة كل من تعامل معه أن يكون قادرًا على أن ينسى هذا العظيم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض