بدون رتوش
استكمالاً للحديث عن الدكتور «بطرس غالى» تسوقنى الذكرى إلى لقائى به فى أعقاب 11 سبتمبر 2001 والتى اتخذتها الولايات المتحدة ذريعة لاجتياح أفغانستان وأعقبتها بغزو العراق، يومها أدان الدكتور غالى هذه الحملة العسكرية والسيطرة العسكرية والسياسية لأمريكا القطب الأوحد. وفى 18 يناير 2003 تحدث الدكتور «غالى» عن العدوان الأمريكى المتوقع ضد العراق قائلاً: (إن الصقور فى الإدارة الأمريكية يريدون الحرب لأسباب استراتيجية لخدمة مصالح إسرائيل)، وصدق حدسه عندما قامت أمريكا بغزو العراق فى 20 مارس 2003. يومها حمل على المنظمة الدولية قائلاً: (لقد فقدت دورها وأهميتها ومكانتها فى المجتمع الدولى إثر انهيار نظام القطبين)، وأردف قائلاً: (إن مصلحة المجتمع الدولى هى ألا يكون القرار بيد أمريكا وحدها، وتوقع نهوض روسيا من جديد لتلعب دورها كقطب مؤثر فى العلاقات الدولية).
وفيما يتعلق بالأمم المتحدة وتفعيل دورها، فطالب بأن يتم تغيير الكيفية التى يتم تشكيل مجلس الأمن الدولى من خلالها، إلى جانب فرض قيود على حق الفيتو، وأن يكون هناك تمثيل للهيئات والمنظمات غير الحكومية بحيث تصبح كل دولة ممثلة عبر خمس أو ست هيئات داخلية مختلفة. وهو ما سوف يعكس التعددية على مستوى الدولة، وهذا ليس بالأمر الجديد، فمنظمة العمل الدولية لديها ممثلون عن العمال وأصحاب العمل والحكومة، كما لا بد أن يكون هناك ممثل للبرلمان إلى جانب ممثل الدولة فى المنطقة.
حمل الدكتور غالى على أمريكا تفردها باتخاذ القرارات، وحمل على دول العالم انكفاءها أمام أمريكا ومنحها تفويضاً بأن تفعل ما تشاء فى العالم دون ضابط أو رابط مستخدمة الإرهاب كذريعة ليسود معها منطق سطو القوة. وأعرب عن انزعاجه لكون المجتمع الدولى خول لأمريكا الانفراد بالساحة ليكون لها مطلق التحرك دون أى معارضة من جانبه. إنه الدكتور «غالى» الذى شهد له العالم عندما شغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة بأن فترته ذهبية، وكانت أكثرها انشغالاً فى تاريخ المنظمة رغم ما جابهه خلالها من أمواج سياسات دولية عاتية، ومشاكل عالم بدا وكأن معالمه وقسماته لم تتضح بعد. يومها قال لى: (إننى أعتز بالفرصة التى أتيحت لى لتسيير المنظمة لا سيما بعد أن تحررت من ربقة الحرب الباردة). يومها أدرك أن مهمته هى المحافظة على التوازن بين الشرق والغرب، وألا يكون هذا على حساب العلاقة بين الشمال والجنوب.
ومن جديد تحدث عن الولايات المتحدة وطالب بألا يكون القرار الدولى قراراً أمريكياً بل يكون نتيجة مناقشات، وعبر حوارات بين هيئات. وحذر من أن أمريكا من خلال تمركزها فى منطقة الخليج، وبحر قزوين تبحث عن مزيد من النفوذ والاستحواذ على بؤر النفط والغاز والثروات. وفى معرض المقارنة أشار إلى أن أوروبا لا تزال ضعيفة، ولكن الصين تمثل قوة جديدة وقد تلعب دوراً فى المستقبل لأنها أعطت الأولوية حالياً للمشاكل الداخلية، كما أن روسيا ستنهض من جديد لتمارس دورها كقطب مؤثر فى العلاقات الدولية.
لن ينسى أحد للدكتور غالى أنه الرمز الخالد للدبلوماسية العريقة. شهدت له مواقفه بالوطنية العميقة. انخرط فى عملية البناء الوطنى لمصر، دافع عن مبادئها وسياساتها الخارجية. كان صوت مصر الهادر فى المحافل الدولية. برع فى إنجاز المهمات، وجابه المواقف الصعبة معتمداً على قدرته فى التعامل والتكيف معها. لقد سجل عبر تاريخه وثيقة تطهيرية حافلة بالإنجازات أرسى من خلالها معايير الالتزام بالمبادئ. إنه النبتة الفريدة والقامة السامقة والشخصية الآثرة. ولا أملك سيدى الغالى إلا أن أترحم عليك وأقول لن أنساك أبداً كرائد وفارس متفرد فى ساحة الدبلوماسية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض