مكنونات الثقافة المصرية
يُحكى أن «جحا» كان يملك دارًا، وأراد أن يبيعها دون أن يفرط فيها تمامًا، فاشترط على المشترى أن يترك له مسمارًا فى حائط المنزل، فوافق المشترى دون أن يدرك الغرض الخبيث لجحا من وراء هذا الشرط، لكنه فوجئ بعد أيام بجحا يدخل عليه البيت، فلما سأله عن سبب الزيارة أجاب جحا: «جئت لأطمئن على مسماري» فرحب به الرجل، وأجلسه وأطعمه.
لكن الزيارة طالت، والرجل يعانى حرجا من طول وجود جحا، لكنه فوجئ بما هو أشد؛ إذ خلع جحا جبته وفرشها على الأرض وتهيأ للنوم، فثار غضب المشترى وسأله: ماذا تنوى أن تفعل يا جحا؟ فأجابه بهدوء: «سأنام فى ظل مسماري!» وتكرر هذا كثيرا، وكان جحا يختار أوقات الطعام؛ ليشارك الرجل فى طعامه، فلم يستطع المشترى الاستمرار على هذا الوضع، وترك لجحا الدار بما فيها وهرب.
نواجه فى حياتنا اليوم أشخاصًا نتأذى من تصرفاتهم وكلامهم، يسميهم البعض «الخبثاء» أو «أصحاب النوايا الخبيئة» لهم صفات لا يستطيع أحد تحملها، وتسبب أذى كبيرًا للشخص الذى يتعامل معهم أو يصادقهم. فنجد الشخص السيئ أو الخبيث يريد تغيير الوقائع حسب مصلحته الشخصية، حتى يصل لهدف معين يريده. فأصحاب النوايا الخبيثة والنفوس الشريرة غالبا ما يتظاهرون بالتقى والوداعة، حتى يزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فينفثون سمومهم كالأفاعى.
وهناك نماذج كثيرة لمسمار جحا فى واقعنا. فالمشكلة الفلسطينية أساسها مسمار جحا، أقصد «بلفور»؛ إعلان بَلفُور بيانٌ علنى أصدرته الحكومة البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى لإعلان دعم تأسيس «وطن قومى للشعب اليهودي» فى فلسطين. ومن يومها وبريطانيا وكل دول أوروبا وأمريكا ترعى هذا المسمار، الذى دقته الحكومة البريطانية عام 1917 فى فلسطين، وترك كثيرًا من سكانها الدار وهربوا. والباقون يحاولون نزع المسمار دون جدوى لعدم اتفاقهم (فتح وحماس) على آلية موحدة لنزع هذا المسمار.
زال نظام الأخوان فى مصر بعد 30 يونيو، وفقدوا السلطة والغطاء الجماهيرى، لكنهم قبل أن يذهبوا دقوا مسامير لهم فى كثير من مفاصل الدولة، وحاولوا عقد صفقات سياسية مع أطراف أخرى فى الدولة، ولكنها أتت بنتائج عكسية. ويحاولون العودة بشتى الطرق إلى تلك المؤسسات سواء بأنفسهم أو بمؤيدين لهم لرعاية هذه المسامير. إن آفة الإخوان على مر تاريخهم رفضهم المناصحة، ومسمار جحا فى نظرهم هو الحق، وهو منهجهم وأسلوبهم.
كثير من مقدمى البرامج التليفزيونية يبدون أصحاب نوايا حسنة، ولكن أغراضهم خبيثة وأهدافهم غير نبيلة، يُضمرون مالا يعلنون، ويقتحمون علينا بيوتنا بدعوى الاطمئنان على مساميرهم التى دقوها فى عقول أطفالنا وشبابنا. فهم يكذبون باسم المصداقية، ويتشاحنون ويتباغضون باسم الحوار، ويدسون السم فى العسل باسم الحرية، وينشرون العنف اللفظى والإرهاب الفكرى باسم الرأى والرأى الآخر.
عزيزى القارئ؛ لا تترك شخصًا يؤذك فى حياتك طويلا، ابتعد عن الوجوه المبتسمة ذات القلوب الخبيثة، وابحث عن شخص يساعدك على النجاح والتقدم والسعادة، واعلم أنه لايستوى الخبيث والطيب وإن أعجبك كثرة الخبيث، فالطيبون مصابيح قليلة لكن نورهم يضيء الكون بأكمله، فلا تُبقى على علاقة مع شخص يؤذيك أو يقلل من قدراتك ويدخل الحزن فى حياتك، ويدق فى عقلك «مسمار جحا».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض