تأملات
شعرت بقدر كبير من الفرحة والبهجة مما آلت إليه قمة أديس أبابا بين الرؤساء المصرى والسودانى والإثيوبى بشأن سد النهضة، والتى انعكست فيما بدا عليه الرئيس السيسى لدى خروجه من الاجتماع حيث كان محياه يشير إلى رضا تام عما جرى. ووفقا لما نشرته صحيفة الأهرام أمس الأول فقد رد الرئيس على سؤال عما إذا كانت أزمة سد النهضة قد انتهت.. بأنه لم تكن هناك أزمة من الأساس! وهى إجابة ربما تبدو تحمل قدرًا من التفاؤل انعكس فى مفرداتها على نحو تلاشت معه الصورة القاتمة التى وسمت القضية منذ سنوات وانعكست فى تصريحات المسئولين المصريين قبل المواطنين أنفسهم.
غير أن السؤال الذى لا بد من البحث عن إجابة له أو محاولة الحصول عليها: هل تبخرت بالفعل مشاكل إنشاء سد النهضة، وكيف؟ وما هى طبيعة البنود التى تم التوافق عليها تجاوزا لما ساد من خلافات من قبل؟ ماذا تم بشأن مطلب القاهرة إشراك البنك الدولى فى الدراسات الفنية لسد النهضة وهو المطلب الذي وعد ديسالين رئيس الوزراء الإثيوبى خلال وجوده فى القاهرة بمناقشته مع السودان؟ هل ناقشه فعلا مع البشير واقتنع الطرفان بوجهة نظر مصر، أم أن الأخيرة هى التى اقتنعت بموقف ديسالين؟ هل تم التوافق على أسلوب ملء السد وهل هذا التوافق يأخذ بالرؤية المصرية أم الإثيوبية؟ أم أن التوافق على الحل تضمن ترحيل القضايا الخلافية إلى وقت لاحق لتهدئة الرأى العام فى الدول الثلاث؟
للأسف لم يتم الكشف عما توصل إليه الزعماء خلال قمتهم، وبما يضع النقاط على الحروف، وهو ما قد يستدعى تساؤلات من نوع هل كانت المخاوف المصرية مبالغًا فيها، وليس لها محل من الإعراب، بدليل أن السودان مثلا وهو الدولة الأقرب للتأثر السلبى كان مساندًا لإثيوبيا؟
المعروف، والعودة لأرشيف الإعلام المصرى تؤكد ذلك، أن هناك قلقًا مصريًا من إنشاء سد النهضة، وتأثيره على تدفق مياه النيل لمصر. وكان آخر فصول هذا القلق زيارة ديسالين مصر الأسبوع الماضى والتى استهدفت، وفق مصادر رسمية مصرية، محاولة الخروج من الموقف المتأزم حول دراسات سد النهضة! ورغم حرص ديسالين على تقديم تطمينات للقاهرة، إلا أن الرئيس السيسى أكد قلق مصر« من تعثر المسار الفنى المتعلق بسد النهضة».
أى متابع لقضية تداعيات سد النهضة، يمكن أن يلمس أمرين:
أولهما : سعى مصرى محموم لمواجهة أى تأثيرات سلبية لسد النهضة وكأن هذه التأثيرات ستقع غدا، وليس بعد غد، وهو نوع من الفكر محمود.. توقع الكارثة والتعامل على أساس أسوأ الخيارات.. وهو ما بدا فى تعزيز عمليات تحلية المياه وتنقية مياه الصرف الصحى وتقنين استخدامات المياه فى الزراعة، ومن ذلك تقليص المساحات المزروعة أرزًا بأكثر من ثلاثمائة ألف فدان.
ثانيهما : تطمين المصريين بأن القيادة لن تسمح بأن يواجهوا أزمة فى المياه، بما يشير كذلك إلى التيقن من أن أوراق سد النهضة فى يدها ولن تخرج عما تريد. غير أن مشكلة هذا الطرح فى ظل غياب المعلومات، هو أنه يجعل المهتم بالقضية يتخبط، من تطمينات لا توجد مؤشرات على تحققها وتدخل فى إطار المستقبل غير الملموس، تواجهها تأكيدات تدعو لعدم الخوف!
يعيدنا ذلك إلى ما أشرنا إليه من تصريحات للرئيس السيسى.. هل المشكلة فى عقولنا نحن كمواطنين، بما يعكس «فوبيا» الخوف على النيل، وليس لها وجود فى الواقع؟ ولو كان الأمر كذلك فبماذا نفسر قلق مسئولينا البالغ بمن فيهم وزراء الرى من سد النهضة؟ على وقع هذه الرؤى المتباينة أشعر – أحيانا– أننى غير قادر على الفهم وأننى قد أصبتك عزيزى القارئ بقدر من الارتباك.. وإن كان يعيد لى حالة الطمأنينة النتيجة التى تم التوصل إليها فى قمة أديس أبابا الأخيرة وصدرت بها هذه السطور، والتى مفادها أنه ليس هناك أزمة من الأساس!!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض