تأملات
على ذات النحو الذى يعيشه العرب والمسلمون بشأن السؤال الذى يبدو لهم سرمديا وهو لماذا تأخروا وتقدم غيرهم، يعيش المصريون سؤلا جوهريا ولكن من نوع آخر وهو: لماذا لا نحيا فى رخاء رغم أننا نبذنا حالة الحرب؟
السؤال يبدو مشروعا إذا وضعناه فى سياق تاريخ الأمم والشعوب أو إذا وضعناه فى سياق تاريخ مصر الحديث. فمن بديهيات الحياة الإنسانية أن حالة السلم يتبعها قدر من الاستقرار يتيح للبشرية التفرغ للإنتاج، فيما حالة الحرب تستنزف هذا الإنتاج وتتجه معها كل جهود المجتمع للمجهود الحربى بالشكل الذى يقوض أى محاولة للقفز للأمام إن لم يدفع بمن فى الأمام الى الخلف.
مصر تعيش هذه الحالة منذ عقود، ولا نقول قرون حتى لا نتجاوز حدودنا فى هذه السطور المحدودة. وإذا كان يمكن إرجاع حالة التأخر - أو التخلف لوصف الظواهر بمسمياتها - التى شهدناها فيما قبل ثورة يوليو 1952، إلى حالة الاستعمار الذى كان ينهب موارد مصر ويوجهها لصالحه، فإن السؤال يتجه إلى طبيعة السبب فى التأخر فيما بعد رحيل الاستعمار. الإجابة تبدو سهلة كذلك، فقد خرجنا من حالة الخضوع للاحتلال لحالة أخرى هى وجود عدو تم زرعه فى قلب الوطن العربى على حدودنا هو إسرائيل، ما أدى لمعيشتنا حالة حرب على مدى أكثر من ثلاثة عقود، يمكن القول نظريا إنها انتهت بحرب أكتوبر التى كان الرئيس السادات يصر على وصفها بأنها آخر الحروب!
الغريب والذى يفرض التساؤلات التى نطرحها هنا هو أنه مضى على آخر الحروب تلك أكثر من أربعة عقود وحالة التخلف والتأخر وتحول الرخاء لما يشبه السراب تزداد وتتجذر. وهنا أذكر أنه فى أواخر عهد السادات وفيما يشبه المخدر راح إعلام الدولة يروج لوهم أن عام 1980 سيكون عام الرخاء، وقتها كنا على عتبة مرحلة الشباب وشطح خيالنا فى تصورات صبيانية بشأن شكل هذا الرخاء!
قد يحاول البعض تفنيد ما نشير إليه فيذكر أن الحرب تولد حالة من النشاط فى الاقتصاد بشكل يدفع الدولة للنهضة، ويقدم فى ذلك مثالا بالولايات المتحدة، وهو مثال يبدو واهيا، لأنها لم تدخل بفعالية فى الحرب العالمية الأولى، أما الحرب الثانية فلم تكن أرضها مسرحا للعمليات وقد حافظت على ريادتها فى مستوى التقدم الاقتصادى.
أما المثال الذى يعزز رؤيتنا فيتمثل فى تجربتى ألمانيا واليابان اللتين خرجتا مدمرتين من الحرب العالمية الثانية ولم يمر أكثر من عقدين حتى أصبحتا فى مصاف القمم الاقتصادية العالمية، بل إن البعض يوغل فى المقارنة بين تجربة مصر واليابان، مشيرا إلى أنهما بدأتا محاولة النهوض فى توقيت واحد خلال حكم محمد على فى مصر وحكم الإمبراطور ميجى فى اليابان، وفيما واصلت اليابان صعودها ظلت مصر تراوح مكانها، إن لم تتراجع إلى الخلف. ليس ذلك فقط، بل إن دولا كانت فى عداد المتخلفة نفضت عن كاهلها ركام التأخر فى سنوات معدودة، وأمامنا فى ذلك تركيا التى تحولت من الرجل المريض فى المنظور الأوروبى إلى المارد الإسلامى، وإمارة دبى التى لمس كاتب هذه السطور طفرتها وعايشها على مدى عشر سنوات ليس أكثر، ولا داعى هنا أن نستدعى التجربة الماليزية.
هل نحن نفتقد إرادة التقدم؟ نعم. هل نعانى من جينات التخلف؟ لا. هل تأخرنا عقليا، إلى الحد الذى لم نعد معه قادرين على مواكبة مسيرة العالم نحو التقدم؟ أمر وارد. هل النظام السياسى – أى نظام – يمثل سببا ولو بنسبة محدودة فى الأزمة؟ من المؤكد، وإن كانت النسب تختلف، فهناك نظام يجرنا إلى الهاوية وآخر أقصى قدراته أن يحتفظ بنا قرب القاع! هل تحولنا لشعب كسول غير قادر على الإنتاج أو حتى راغب فيه؟ سؤال إجابته معروفة! هل ننزع من أنفسنا الأمل فى تحقيق التقدم؟ رغم أن الأمل هو مفتاح الحياة إلا أن الحالة المصرية تكاد بمنطق العاقل تنزع منا أى أمل!!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض