الجلوس فترة طويلة وعلاقته بصحة القلب
أصبح الجلوس فترة طويلة سمة أساسية في نمط الحياة الحديث، سواء أثناء العمل المكتبي أو استخدام الهواتف والأجهزة الإلكترونية أو حتى أثناء الترفيه، ورغم أن الأمر يبدو عادياً، فإن الدراسات الطبية تشير إلى أن قلة الحركة والجلوس المستمر قد يشكلان خطراً صحياً حقيقياً على المدى البعيد.

ويُعرّف الأطباء الجلوس المفرط بأنه البقاء في وضعية الجلوس لأكثر من 6 إلى 8 ساعات يومياً دون فترات كافية من الحركة، وفي هذه الحالة، تبدأ وظائف الجسم الحيوية بالتباطؤ، خاصة الدورة الدموية وحرق السعرات الحرارية، ما يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات السلبية على الصحة العامة.
ومن أبرز المخاطر المرتبطة بالجلوس الطويل زيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، فعندما يقل النشاط البدني، تضعف الدورة الدموية ويزداد تراكم الدهون في الأوعية، ما قد يرفع خطر ارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين، وهي عوامل رئيسية تؤدي إلى الجلطات وأمراض القلب.
كما يرتبط الجلوس لفترات طويلة بزيادة خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، فقلة الحركة تؤثر في قدرة الجسم على استخدام الإنسولين بشكل فعال، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم تدريجياً، خصوصاً عند الأشخاص الذين لا يمارسون أي نشاط بدني منتظم.
ولا تتوقف التأثيرات عند القلب والسكر، بل تمتد إلى الجهاز العضلي الهيكلي، فالجلوس الخاطئ لفترات طويلة قد يسبب آلاماً مزمنة في أسفل الظهر والرقبة والكتفين، نتيجة الضغط المستمر على الفقرات والعضلات، بالإضافة إلى ضعف في العضلات مع مرور الوقت بسبب قلة الاستخدام.
ويؤثر الجلوس فترة طويلة أيضاً في الصحة النفسية. فقد أظهرت بعض الدراسات وجود ارتباط بين قلة الحركة وزيادة معدلات القلق والاكتئاب، حيث إن النشاط البدني يساعد على إفراز مواد كيميائية في الدماغ تحسن المزاج وتقلل التوتر.
ومن المخاطر الأقل شهرة تأثير الجلوس الطويل على الدورة الدموية في الساقين، ما قد يزيد من احتمالات الإصابة بتجلط الأوردة العميقة، وهي حالة خطيرة قد تنتقل فيها الجلطات إلى الرئتين في بعض الحالات النادرة.
كما تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الجلوس لفترات طويلة قد يؤثر حتى على متوسط العمر المتوقع، حيث يرتبط قلة النشاط البدني بزيادة خطر الإصابة بالأمراض المزمنة بشكل عام، بغض النظر عن ممارسة الرياضة في أوقات أخرى من اليوم، إذا كانت غير كافية لتعويض فترات الجلوس الطويلة.
وينصح الخبراء باتباع استراتيجيات بسيطة للحد من هذه المخاطر، مثل الوقوف والتحرك كل 30 إلى 60 دقيقة، واستخدام السلالم بدلاً من المصاعد، والمشي القصير خلال فترات العمل، بالإضافة إلى ممارسة نشاط بدني منتظم لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعياً.
كما يمكن تحسين بيئة العمل باستخدام مكاتب قابلة للوقوف أو تعديل وضعية الجلوس بشكل صحيح لدعم العمود الفقري وتقليل الضغط على العضلات والمفاصل.
ولا يكمن الخطر في الجلوس بحد ذاته، بل في استمراره لفترات طويلة دون حركة. فإدخال القليل من النشاط البدني خلال اليوم يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في حماية القلب والجسم من العديد من الأمراض.