هوامش
فى سنوات قليلة تحولت مواقع التواصل الاجتماعى من أدوات للتواصل وتبادل المعرفة إلى ساحات مفتوحة للتأثير وصناعة الرأى العام، بل وأحيانًا إلى محاكم موازية تصدر أحكامها فى دقائق، وتنفذ عقوباتها المعنوية قبل أن تبدأ أى جهة مختصة فى البحث أو التحقيق.
لقد أصبح هذا الفضاء الافتراضى مرتعًا خصبًا لكل كاذب ومناور يجيد استخدام الكاميرا، ويعرف جيدًا كيف يمزج قدرًا محدودًا من الحقيقة بجرعات كبيرة من المبالغات والأكاذيب، فيخرج أمام الجمهور فى بث مباشر أو مقطع مصور يروى روايته الخاصة للأحداث باعتبارها الحقيقة المطلقة.
ولأن التأثير العاطفى أصبح فى كثير من الأحيان أقوى من الأدلة والوقائع، فإن ارتفاع نبرة الصوت فى اللحظات المناسبة، وانخفاضها عند الحديث عن المعاناة، وانسياب الدموع على الخدين، وإضافة بعض المشاهد التمثيلية المدروسة، كلها أدوات قادرة على تمزيق قلوب المتابعين ودفعهم إلى إصدار الأحكام الفورية، والتعاطف الأعمى، والهجوم على الطرف الآخر دون أن يسمعوا روايته أو يطلعوا على الحقائق كاملة.
وخلال ساعات تبدأ حملة التعليقات الغاضبة، وتنهال الشتائم على شخص أو مؤسسة ربما لم ترتكب أى خطأ من الأساس، بينما ينشط المؤيدون والمنظمون فى إطلاق حملات “المنشن” و”الشير” وإغراق صفحات المسئولين والوزارات والجهات الرسمية بالرسائل والاتهامات والنداءات.
أما إذا كانت صاحبة الرواية امرأة أو طفلًا، فإن دائرة الضغط تتسع بصورة أكبر، وتدخل مؤسسات وجهات مختلفة إلى المشهد تحت ضغط الرأى العام الإلكترونى، لتتحول القضية سريعًا إلى “ترند” يتداوله الجميع، وقد ينجح صاحبه فى الحصول على ما ليس من حقه أو تحقيق أهداف لم يكن ليصل إليها عبر الطرق الطبيعية أو القانونية.
المشكلة الحقيقية ليست فى السوشيال ميديا ذاتها، فهى فى الأصل أداة يمكن أن تستخدم فى كشف الفساد والانتصار للمظلوم وإيصال صوت من لا صوت له، وإنما تكمن فى تحويلها إلى منصة للابتزاز المعنوى والضغط الشعبى القائم على رواية أحادية الجانب.
فالمنشور المؤثر ليس بالضرورة صادقًا، وعدد المشاركات ليس دليلًا على صحة الوقائع، والتعاطف الجماهيرى لا يساوى العدالة، كما أن انتشار القصة لا يجعلها حقيقة.
لقد وضعت وسائل التواصل الاجتماعى كثيرًا من المؤسسات والأشخاص فى موضع الدفاع عن النفس دون ارتكاب جريمة أو خطأ، فقط لأن الطرف الآخر كان أكثر قدرة على استثارة المشاعر، أو أكثر مهارة فى إدارة المشهد الإعلامى، أو لأنه وجد من يخطط له ويدعمه ويروج لروايته.
والأخطر من ذلك أن الجمهور غالبًا ما ينسى أن أغلب هذه الروايات لا تكون كاذبة بالكامل ولا صادقة بالكامل، وإنما تعتمد على أخطر أنواع التضليل: نصف الحقيقة.
فنصف الحقيقة أكثر قدرة على الخداع من الكذب الصريح، لأنه يمنح الرواية مصداقية ظاهرية تجعل الجمهور يبتلع معها كل ما أضيف إليها من ادعاءات ومبالغات.
ولهذا أصبح من الضرورى أن نستعيد قيمة التحقق والتثبت والاستماع إلى جميع الأطراف، وأن ندرك أن العدالة لا تتحقق عبر عدد الإعجابات والمشاركات، وأن الحقيقة لا يصنعها الترند، وأن دموع الكاميرا ليست دائمًا دليلًا على البراءة، تمامًا كما أن الصمت لا يعد اعترافًا بالإدانة.
ففى زمن السوشيال ميديا، قد يصبح الكاذب بطلًا فى ساعات، وقد يتحول البريء إلى متهم فى دقائق، لكن الحقيقة وحدها تظل قادرة على الصمود مهما طال الزمن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض