تأملات
رغم أننا ننظر للأمور دومًا بمنطق الأبيض والاسود، إلا أن مواقف نائب الرئيس الأمريكى دى فانس تدعونا لأن نعيد التفكير فى هذه النظرة بمنطق أن هناك مناطق رمادية ربما تمثل مجالًا للاشتغال عليها وتحقيق نوع من المكاسب فى اجتذاب الخصم أو على الأقل تفهم طبيعة الطرف الآخر الذى يتم التعامل معه.
فمنذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أظهر دى فانس صورة مختلفة بعض الشىء للموقف الأمريكى قد لا تكون مبهرة لكنها على الأقل تتسم بقدر من الفهم لما يجرى على أرضية مغايرة لموقف إدارة ترامب التى يمثل دى فانس أحد أضلاعها!
أهمية هذه الرؤية لفانس رغم محدودية اختلافها عن السردية الأمريكية بشأن التعامل مع الشأن الإيرانى ودور إسرائيل فى المنطقة أنها تمثل نوعًا من التحدى أو الطرح المغاير لما يقدمه الرئيس ترامب نفسه مع ما هو معروف عن الأخير من هيمنة وسيطرة تصل فى منظور البعض إلى حد تصويره على أنه لا يختلف كثيرًا أو قليلًا عن زعيم ديكتاتورى من زعماء العالم الثالث.
بدأت إرهاصات هذه المواقف فى التساؤل الذى طرحه دى فانس بشأن «أخلاقية» الحرب مع إيران، حيث راح يشير الى أن ما اعتبره مفاهيمه المسيحية تجعله يشكك فى شرعية هذه الحرب. بل وراح يلمح بشكل غير مباشر الى وجوب وجود ضوابط توقف القائد السياسى عن الاستمرار فى مثل هذه العملية بإشارته إلى أن عدم أخلاقية الحرب أو وجود مبرر لها يضع قيودًا على قرارات القادة السياسيين، وأن هذا هو تمامًا ما ينبغى أن يكون.
قد يكون من المبكر تحديد تأثير ذلك التوجه لكن الإشارة الى احتمال أن يكون تصويت مجلس الشيوخ أمس الأول لصالح مشروع قانون يلزم ترامب بوقف العمليات العسكرية ضد إيران إحدى نتائج أو ثمار تلك الرؤية هى إشارة لا تفتقد الصواب ما يشير الى عمق التغيير الذى يمكن أن تمثله مواقف شخصية أو تيار يمثله دى فانس.
ولعل ذلك أيضًا يفسر إصرار طهران على أن يمثل الولايات المتحدة فى مفاوضات إسلام آباد الأولى فانس وليس المبعوثين ستيف ويتكوف وجارى كوشنر، فى ضوء المؤشرات التى تذهب الى أنهما يميلان إلى تبنى السردية الإسرائيلية بشأن الموقف تجاه طهران.
يعزز تلك الرؤية أن أقوى انتقادات تم توجيهها لإسرائيل إنما جاءت من دى فانس وبلغة عارية من أى مجاملات أو تنميق، حيث عبر الرجل عما يعجز الكثير من السياسيين فى الغرب وغير الغرب عن قوله وهو ما انعكس كما أشارت مصادر مختلفة فى حالة من الصدمة داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية.
وقد يصل الأمر الى حد اعتبار دى فانس صريحًا لحد الوقاحة من منظور إسرائيلى، فهو لم ينكر أن ترامب هو رئيس الدولة الوحيد الذى يتعاطف مع إسرائيل، وأنه على هذا الأساس من الغريب أن ينال الانتقادات. لكن الأهم من ذلك إشارته الى أن ثلثى الأسلحة الدفاعية التى حمت إسرائيل «صُنعت بأيد أمريكية ومن أموال دافعى الضرائب الأمريكيين». الأكثر من ذلك هو مصارحة إسرائيل بأنها الدولة التى تعتمد القتل وسيلة للبقاء حين راح يوجه حديثه للوزيرين المتطرفين فى حكومة نتنياهو وهما بن غفير وسموتريتش متسائلًا «ما هو اقتراحكم؟ أنتم دولة يبلغ عدد سكانها 9 ملايين نسمة. لا يمكن أن يكون القتل طريقكم للخروج من كل مشكلة».
لا يعنى ذلك أن الرجل هو ضالة العرب والمسلمين الذى يجب الإمساك بتلابيبه، لكن يعنى أن هناك مساحة للتأثير على الآخر باستغلال التنافضات بين أطرافه أو ممثليه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض