ثمن الشهامة
فادى دافع عن جارته فتلقى رصاصة غادرة
مع اقتراب غروب شمس الثلاثاء الماضى، كان شارع الدكتور بحى العمرانية فى الجيزة يعيش يومًا عاديًا يشبه آلاف الأيام التى مرت على سكانه.. أطفال يلعبون، وشباب يستعدون لسهرة صيفية هادئة، لكن دقائق قليلة كانت كافية لتحويل هذا المشهد المعتاد إلى مأساة ستبقى عالقة فى ذاكرة المنطقة طويلًا.
فى الطابق العلوى من أحد العقارات، دوى صراخ إحدى السيدات، لم يكن أحد يعلم وقتها أن هذا الصراخ سيقود إلى نهاية مأساوية لشاب لم يكن طرفًا فى أى خلاف، ولم يحمل سلاحًا، ولم يبحث عن معركة، بل دفعه إحساسه الفطرى بالشهامة إلى التدخل دفاعًا عن جارة استغاثت.
كان أندرو ناشد، المعروف بين أهالى المنطقة باسم «فادي»، شابًا فى الثانية والعشرين من عمره، طالبًا جامعيًا على بعد خطوات من تحقيق حلمه بالتخرج، يحمل أحلامًا بسيطة تشبه أحلام أبناء جيله، كان يستعد لمستقبل رسم له ولأسرته الكثير من الأمنيات، ولم يكن يدرك أن حياته ستتوقف عند عبارة قالها وهو يحاول إخماد نار خلاف بين الجيران.
يروى أفراد أسرته أن فادى كان معروفًا بهدوئه وحسن أخلاقه، وأنه لم يكن يومًا من أصحاب المشكلات أو الخصومات، لذلك لم يتخيل أحد أن اسمه سيتحول فجأة إلى عنوان لجريمة هزت المنطقة بأكملها.
بحسب روايات شهود العيان، بدأت الأحداث عندما نشبت مشادة تطورت سريعًا إلى اعتداء عنيف على إحدى السيدات، ووسط حالة من الفوضى والخوف، ارتفعت الأصوات فى العقار واستغاثت السيدة بالجيران طلبًا للنجدة.
وصلت الاستغاثة إلى مسامع فادى الذى كان عائدا لتوه من عمله ويقف على بعد خطوات من استغاثة السيدة يتبادل الحديث مع عمه، فهب مسرعًا تجاه مصدر الصوت، لم يفكر كثيرًا، ولم يتوقف ليسأل عن تفاصيل الخلاف أو أطرافه، كل ما رآه أن امرأة تتعرض للاعتداء، وأن واجبه الإنسانى يفرض عليه التدخل.
يقول أحد أقاربه إن الشاب توجه مسرعًا وهو يردد: «هنشوف فيه أيه»، ورافقه عمه جاب الله نحو مكان المشاجرة، وهناك شاهدا 4 اشخاص يتزعمهم شخص شهير باسم «كشرى» يعتدون على سيدتين وطفلة بالضرب مستخدمين أسلحة بيضاء ونارية، وفشلوا فى الإفلات من بطشهم.
وسط هذا المشهد المشحون بالغضب والعنف، حاول فادى أن يؤدى دور المصلح، لم يهاجم أحدًا، ولم يشارك فى المشاجرة، بل اكتفى بمحاولة تهدئة الأجواء وإيقاف الاعتداء.
وقف الشاب فى مواجهة المتشاجرين قائلًا: «يا رجالة مش هينفع كدا.. كفاية دول حريم».. كانت كلمات بسيطة خرجت من شاب أراد إنهاء الأزمة، لكنها كانت آخر ما قاله تقريبًا.
فجأة، ووفقًا لروايات عمه الشاهد على الواقعة، تصاعد التوتر بصورة غير متوقعة، وأخرج أحد المتهمين سلاحًا ناريًا، وفى لحظة خاطفة دوى صوت الرصاص داخل العقار، لم يستوعب أحد ما حدث فى البداية، توقف الجميع للحظات قصيرة وكأن الزمن تجمد، ثم سقط فادى على الأرض، بعد أن اخترقت رصاصة رأسه، لتنهى حياته فى ثوانٍ معدودة.
لم تكن هناك فرصة لإنقاذه، فالشاب الذى نزل قبل دقائق محاولًا إنقاذ جارته، أصبح هو الضحية، فى تلك اللحظة تبدلت الأصوات داخل العقار، وتحولت صرخات الاستغاثة إلى بكاء وعويل، وخرج الأهالى مذعورين على وقع الجريمة التى وقعت أمام أعينهم.
سرعان ما انتقلت قوات الشرطة إلى موقع الحادث، وتولى رجال المباحث فحص ملابسات الواقعة، وكشفت المعاينة الأولية عن مقتل الشاب بطلق نارى فى الرأس، كما تبين إصابة السيدة المعتدى عليها بجرح قطعى غائر فى الوجه نتيجة الاعتداء.
فى منزل الأسرة، كان المشهد أكثر قسوة، جلس أفراد العائلة، عاجزين عن استيعاب ما حدث للشاب الضحية، كانت الدموع تسبق الكلمات كلما حاول أحدهم الحديث عنه.
وتحدث أحدهم بصوت متهدج قائلا: «إن «فادى» لم يمت فى خصومة شخصية أو خلاف عائلى، وإنما مات لأنه رفض أن يقف متفرجًا على الاعتداء على امرأة تستغيث، مضيفا أن المنطقة كلها تعرف أخلاقه، وأنه كان شابًا محبوبًا بين الجيران، لا يعرف طريقًا للمشكلات».
أما أبناء المنطقة، فقد تجمعوا على حقيقة واحدة، أن فادى كان شهما لم يتدخل إلا دفاعًا عن جيرانه بعد تعرضهم للضرب والترهيب، وأنه كان دائم المساعدة للجميع، ولم يتردد لحظة عندما سمع الاستغاثة.
ومع انتشار خبر مقتله، خيم الحزن على المنطقة، ولم يكن الأهالى يتحدثون عن مجرد جريمة قتل، بل عن شاب رأوا فيه نموذجًا للشهامة والشجاعة، انتهت حياته وهو يحاول منع الأذى والعنف، وطالبوا بسرعة القصاص العادل.
لكن بعيدًا عن التحقيقات والمحاضر والأوراق الرسمية، بقيت صورة واحدة عالقة فى أذهان سكان حى العمرانية.. صورة شاب جامعى كان يحلم بالتخرج وبدء حياته العملية ومساعدة أسرته فى بناء حياته، توجه لجيرانه استجابة لصوت استغاثة، معتقدًا أنه سيعود بعد دقائق كما عاد عشرات المرات من قبل.
ولم يكن يتوقع أن عبارة صغيرة لإنهاء الموقف ستكون آخر محاولة منه لإيقاف العنف، وآخر ما يرويه الناس عنه وهم يستحضرون قصة شاب دفع حياته ثمنًا لموقف إنسانى ظن أنه لن يكلفه أكثر من بضع دقائق من الشجاعة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض