أوراق مسافرة
أواصل معكم ما بدأته الأسبوع الماضى وحديث الوعى، ليس محظوظاً من امتلك الوعى أو استعاده بعد فقدان، الوعى يربطنا بالألم، هو لا يجعلنا نضخم هذا الألم بل نشعر بحجمه الحقيقى دون تسطيح أو تهميش، عندما نعى مجريات ما حولنا من أحداث، وندرك حقيقة ما وراء الأحداث، لا يجعلنا هذا نشعر براحة أو أمان، تتفاعل مناطق فى الدماغ لدينا لطرح التفسيرات والسيناريوهات ما يجعلنا ندور داخل سراديب مظلمة ومتاهات مجهدة من المعاناة والتفكير المتواصل.
ويل لأصحاب الوعى حين لا يصلون بتفكيرهم وأطروحاتهم الواعية إلى حلول لما نحن عالقون فيه من مشاكل سياسية، اقتصادية، اجتماعية، والويل أكثر إذا ما توصلوا لحلول وطرحوها ولم يجدوا الآذان الصاغية والضمائر الحية للأخذ بها وتنفيذها لإنقاذ المجتمع والعالم، والويل أكثر وأكثر أمام شعورهم بالعجز لعدم قدرتهم على التنفيذ لما توصلوا إليه من حلول لأنهم لا يملكون الآليات، الصلاحيات للتنفيذ، بل الأمر فى أيدى آخرين متحكمون تماماً فى تحريك الأمر بين أصابعهم فى أبشع الصور وأخيبها أملاً وتنفيذاً وواقعاً وقد غفت ضمائرهم أو ماتت مع إرادتهم الوطنية، فلا يحركون ساكناً رغم امتلاكهم آليات التصويب وتصحيح المسار وإنقاذ المجتمع مما هو فيه.
هذا العجز الذى يصيب أصحاب الوعى يضاعف انتباه المخ والأعصاب لديهم لموضع الألم ويزيد من حدته، فيتم إرسال إشارات عصبية للدماغ بما يصعد من الشعور بالخوف، القلق، ويصيب صاحبه بالتوتر العاطفى والنفسى الذى يؤثر سلباً على العضلات، فيجتاح أصحاب الوعى شعور دائم بالألم الجسدى غير محدد المواضع، إنه تعب وألم عام.
لذا سنكتشف أن الوعى ابتلاء فعلى عليك أن تدفع ثمنه، وستتمنى لو أن تصبح شخصاً آخر مثل هؤلاء البسطاء جداً فى هوامش الحياة، تأكل، تشرب، تنام، تتناسل، ويكون جل ما يشغلك هو لقمة العيش ولا شىء آخر، ستدرك أن هذا هو أهون هموم الحياة لو تعلمون.
تلك الفئة البسيطة محدودة الإدراك والوعى لا يعنيها أى شىء خارج نطاق حياتها الخاصة أو خارج محيط بيتها وأسرتها الصغيرة، إنهم لا يبحثون وراء الأشياء، لا يحللون ولا يفكرون، لا يسعدون لها ولا يبتئسون، لا يبحثون خلف النظام الذى يحكمهم عن أخطائه أو صوابه، ولا وراء الساسة وكلماتهم الزائفة ووعودهم الكاذبة وتوجهاتهم السلبية وتأثير هذا على الدولة فى الداخل والخارج، ولا يبحثون خلف الاقتصاد العام، لا نجاحاته ولا كوارثه وخفايا فشله وانعكاساته.
لا يعنيهم أن يشغلوا نهارهم بالتحليل والتدقيق فى الأحداث وما وراءها، ولا يزحمون سمار لياليهم فى شجار فكرى مع نظرائهم من أصحاب الوعى حول النظام السياسى الأصوب لقيادة الوطن إلى بر الأمان والكفاية والرفاهية، ولا ينامون على هذا الكمد من تحمل المسئولية الوطنية، ولا مسئولية العالم الذى يهرول إلى اللا سلام واللا أمن، ولا يهمهم شعوباً مطحونة فى الفقر والاقتتال تطاردهم النيران الصديقة، نيران الأخوة فى الوطن التى تجبرهم على الفرار الاضطرارى خارج أبواب أوطانهم للتشرد فى مخيمات لجوء يتسولون اللقمة وشربة الماء فاقدين الآمل فى المستقبل.
لا يفكر هؤلاء الذين تنازلوا طوعاً عن وعيهم أو طرحوه جانباً ككم مهمل بلا فائدة، لا يفكرون فى بشاعة الأنظمة الديكتاتورية التى باتت تحكم أغلب الشعوب العربية، ولا فى اعتماد الحكم القائم بتلك الأنظمة على تركيز السلطة فى يد شخص واحد حولة فئة صغيرة من المستفيدين سلطوياً ونفوذاً لقمع الشعوب وتدجينها وفقاً لأيديولوجيات محددة مع غياب العدالة وتفشى العنف وممارسات القمع الممنهج وانتهاك حقوق الإنسان الأساسية، والزج بالمعارضين فى السجون.
فما لهم ومال الديكتاتورية أو غيرها، مالهم بالخطر المنبثق عن تلك الأنظمة القمعية التى تقود المجتمعات إلى التفكك، التشرذم، الانهيار، الغضب، التدهور الاقتصادى وتفشى الفساد لغياب الرقابة والشفافية وسيطرة فئة معينة على مقدرات الدولة وإهدار المال العام.
لا يبالى أصحاب الوعى النائم بالأنظمة التى تعمد إلى تجهيل المجتمع وتزييف الحقائق من خلال إحكام السيطرة على وسائل الإعلام، نشر الدعاية الموجهة، ومحاربة حرية التعبير، تهميش دور القضاء والبرلمان لصالح القرارات الفردية، ما يعوق التنمية والتطور ويحدث نوعاً من الشلل بالمؤسسات لتدفع الشعوب الثمن، ولا يفكر هؤلاء فى الثورة لأنهم لا يدفعون الثمن الأكبر، بل يدفعه أصحاب الوعى الذين يرفضون السكوت، يعارضون، ينتفضون، يلقنون النظام الديكتاتورى درساً جديداً يضاف إلى دروس التاريخ التى أطيح فيها بأمثال هؤلاء.
لا يفكر أصاحب الوعى الغائب فى أن فقرهم، احتياجهم، انحناء رؤوسهم، فقدانهم الرغبة فى التفكير أو التغير، استسلامهم التام سببه سياسة التجويع التى تنفذها الأنظمة الديكتاتورية من خلال إساءة إدارة الموارد والثروات، والتغييب العمدى لعدالة توزيع الثروات، وتقريب أصحاب الثقة والحظوة واستبعاد الكفاءات، مع المغالاة فى رفع أسعار الخدمات والسلع لوضع المواطنين تحت سياط الحاجة والقهر، حتى يقضوا أعمارهم فى الدوران داخل متاهات الاحتياج يطحنهم القهر، ليتخلوا فى حتمية عن الفكر، حرية الرأى، المشاركة السياسية، المطالبات بالحرية والديمقراطية، ولتتمحور مطالبهم فى لقمة العيش والستر والذى بالطبع لا ولن توفره لهم الأنظمة حتى لا يرفعوا رؤوسهم ويطالبوا بحقوقهم فى الحرية والعدالة حتى بما تنص عليه دساتير تلك البلدان.
وللحديث بقية
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض