رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تدور فى أذهان من يقرأ القرآن بتدبر ثمة تساؤلات شائعة وربما مشروعة فهذا الكتاب الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا تنتهى عجائبه يصعب على الكثير فهم حكمة التكرار اللافت لقصة كليم الله موسى بن عمران، فجاءت فى صور بيانية مختلفة فى نحو 34 سورة وذكر اسمه حوالى 136 مرة، وكانت أغلب أقوال المفسرين عامة ونمطية تركز على طبيعة ومسار الصراع بين الحق والباطل برفع لواء التوحيد ضد طاغية متجبر يدعى الإلوهية لكن استشعر سببًا آخر أكثر عمقًا فى فهم دلالات التكرار تكاد تكون هذه القصة الفريدة هى محل الاجماع النادر بين اتباع كل الديانات السماوية، بالإضافة إلى أن سيدنا موسى لم يكن سوبر مان مثل سيدنا سليمان الذى سخّر الله له كل الخوارق الجن والطير والرياح، وكان يعرف منطق الطير.. الخ بل على العكس كانت سماته الشخصية أقرب إلى عامة الناس فهو لم يكن وسيمًا أو فصيحًا مثل أخيه هارون، وكان غضوبًا ما تسبب فى قتله للمصرى، ومع ذلك اصطفاه الله وشرفه بجعله كليمه، وأحد رسل أولى العزم، وألقى عليه محبة منه فبسط له القبول والمهابة أينما توجه، ولو هناك شىء فى قصته الملهمة فهو شعوره الطبيعى كإنسان بالخوف الذى يعد مصدر إلهام لكل الخائفين، فمنا من يخاف الفقر أو المرض أو على الذرية أو من تقلبات الليالى والأيام، لذا فعلاقته معه لم تكن علاقة إنكار، بل محاكاة لرحلة واقعية توضح لكل البشر على اختلاف مشاربهم كيف يرافق شعور الخوف الإنسانى، ويعلمنا بشكل عملى كيفية التغلب على المشاعر السلبية باستدامة ذكر الله حتى يصل إلى شاطئ اليقين والتوكل، وإذا تتبعنا التصاق الخوف بسيدنا موسى سنجد أنه كان معه قبل ولادته «وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ»، فكانت مشيئه الله أكبر من أسباب وتدابير فرعون، حتى أنه هو الذى رباه فى بيته ليكون له عدوا وحزنا ثم خوفه من القتل بعد قتله للرجل بالخطأ، خرج خائفًا يترقب «قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ» وعندما ذهب إلى لقاء ربه فى الوادى المقدس طوى اختبر خوفًا من نوعًا آخر «وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ» فكان ذلك تدريبًا إلهيًا على الثبات ورباطة الجأش و عندما حانت لحظة المواجهة الكبرى مع فرعون كان لا يزال خائفًا من تلك المواجهة المصيرية واعتذر لربه عن الذهاب، «رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ». وهكذا الخبير البصير بعباده يعلم أعراض الخوف الطبيعية فاستجاب بحكمته إلى احتياجات موسى للدعم النفسى وأرسل معه أخاه وزاد على ذلك بطمأنة المعية الإلهية لذا اكتمل الكورس الإلهى فى علاج أسباب وأعراض الخوف فكانت النتيجة الناجعة لما جاء الاختبار الأعظم فى نهاية تلك القصة الخالدة «فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ»،
هذه القراءة السيكولوجية تحمل مواعظ وعبرً إنسانية تتخطى حدود الخلافات العقدية الضيقة وتلهمنا أن الخوف غريزة بشرية ارتبطت بالإنسان منذ خرج أبانا آدم وأمنا حواء من أمان وطمأنينة الجنة، يظنّ البعض أنّ سكينة النفس وطمأنينة القلب مرتبة إيمانية يسهل الوصول إليها فهى مجاهدة روحية عظيمة مليئة بالابتلاءات الكثيرة، لكن قل من سبقت له فى علم الله الأزلى عليه أن يجاهد نفسه والدنيا والشيطان ويبتلى باختبارات متدرجة القسوة على حسب معرفته وقربه لله «ولنبلونكم بشىء من الجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين»، وللعارفين فى هذا الأمر دعاء جميل لكل خائف يبحث عن سكينة القلب وطمأنينة النفس، ليغلبن لطفه خوفى، وليغلبن قدره سوء ظنى، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فنعم الرب أنت وبئس العبد أنا، يا صاحب اللطف الخفى بك أستعين وأستجير واكتفى، وإذا اللطيف أراد شيئًا قال كن فيكون، مهما كان محاله، يا لطيف عبدك ضعيف.