رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

في جزيرة لا يُفتح مسجدها إلا الجمعة».. كيف أعاد الشيخ الأزهري أحمد صبري الأذان والحياة الإسلامية إلى جزيرة ساو تومي؟

بوابة الوفد الإلكترونية

في قلب خليج غينيا الاستوائية، وعلى بعد آلاف الكيلومترات من مصر، تقع جزيرة «ساو تومي» أو ما يعرف بـ «برنسيب»، الدولة الإفريقية الصغيرة التي لا يعرف عنها كثيرون سوى أنها واحدة من أكثر المناطق هدوءًا وعزلة في غرب إفريقيا، حيث الغابات الاستوائية الكثيفة، والحياة البسيطة، والقرى التي ما زالت تعيش بطابع بدائي بعيد عن مظاهر الحداثة.

هناك، وسط هذه الطبيعة الساحرة والفقر القاسي، بدأت رحلة الشيخ الدكتور أحمد صبري عبد المنعم، ابن الريف المصري وبالتحديد محافظة الشرقية، الذي ترك عمله في لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، وسافر عام 2017 إلى إحدى الجزر النائية، حاملاً رسالة دعوية وإنسانية تهدف إلى نشر تعاليم الإسلام، وإنشاء دار لرعاية الأيتام وتعليمهم، في محاولة لمنحهم حياة أكثر أمناً وكرامة ومستقبلاً أفضل.

قبل سفره إلى إفريقيا، كان الشيخ أحمد قد أسس أول رواق أزهري بمحافظة الشرقية داخل مسجد شباب الأزهر بقرية العصلوجي التابعة لمركز الزقازيق، وكان مهتمًا بنشر الفكر الوسطي وتعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية.

لكن رحلته الحقيقية بدأت عندما عرض عليه أحد أصدقائه من علماء الأزهر السفر إلى «ساو تومي وبرنسيب»، بعدما طلب أحد الداعمين إنشاء دار أيتام في الجزيرة تهدف إلى تربية الأطفال على التعاليم الإسلامية الصحيحة، إلى جانب تأسيس برامج تعليمية ودينية تساعد على بناء جيل جديد.

يقول الشيخ أحمد صبري في حديثه لـ «الوفد»: أخذت إجازة من الأزهر الشريف، وسافرت بهدف نشر الدعوة الإسلامية في إفريقيا، كنا نسمع أن الإسلام ضعيف في بعض الدول الإفريقية، لكن عندما وصلت اكتشفت أن الوضع أصعب مما تخيلنا، وكانت الصدمة الأولى بالنسبة له أن الجزيرة لم يكن بها سوى مسجد واحد فقط داخل العاصمة، وكان مغلقًا طوال أيام الأسبوع، ولا يُفتح إلا لصلاة الجمعة فقط.

في ذلك الوقت، لم يكن عدد المسلمين يتجاوز نحو 100 شخص تقريبًا، وسط أغلبية كاثوليكية مسيحية، بينما يعيش سكان الدولة في ست مقاطعات تنتشر بينها الغابات الطبيعية والقرى الفقيرة.

يقول الشيخ: «الحياة هناك بدائية جدًا، خاصة خارج العاصمة، كثير من القرى لا توجد بها كهرباء أو مياه، والناس يعتمدون على الزراعة وصيد الأسماك، وبعضهم يطبخ أوراق الشجر ويأكلها، بينما يعتبر الموز الطعام الرئيسي للسكان».

واجه الشيخ الأزهري صعوبات كبيرة في البداية، كان أبرزها اللغة البرتغالية، اللغة الرسمية للجزيرة، لكنه قرر تعلمها حتى يستطيع التواصل مع الأهالي والتعامل مع الجهات الرسمية والحكومية.

وبمرور الوقت، أتقن اللغة، وأصبح حلقة الوصل الرئيسية بين المسلمين في الجزيرة والمؤسسات العربية والإسلامية، كما تحول إلى مصدر لنشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية هناك.

تنقل الشيخ بين المقاطعات والقرى بحثًا عن الأماكن الأكثر احتياجًا للدعوة، وكان يعتمد في دعوته على الأخلاق والمعاملة الحسنة أكثر من أي شيء آخر،

لكن بعد ثلاثة أشهر فقط من وصوله، تعرض المشروع لأزمة كبيرة بعدما توقف الراعي الرئيسي سعودي الجنسية عن تمويل دار الأيتام، وكاد المشروع بالكامل أن يتوقف.

يقول الشيخ أحمد إنه فكر وقتها في حجم المسؤولية، خاصة مع وجود الأطفال الأيتام الذين أصبحوا متعلقين بالدار وبالمسجد، فقرر الاستمرار مهما كانت الصعوبات، وعرض أزمته على أصدقائه في مصر، فتحرك عدد من المصريين لدعمه، وبدأوا في إرسال منح شهرية بسيطة تساعده على توفير احتياجاته الأساسية هو وزوجته، حتى يتمكن من مواصلة حياته داخل الجزيرة والاستمرار في مشروعه الدعوي،

لم تكن تلك الأموال تمثل رفاهية أو حياة مستقرة، لكنها كانت بالكاد تكفي الطعام ومتطلبات الحياة اليومية، ومع الوقت، بدأ المسجد الوحيد في العاصمة يستعيد الحياة من جديد، بعدما أعاد الشيخ فتحه طوال أيام الأسبوع، وأصبح يستقبل المصلين في الصلوات الخمس، وتحول إلى نقطة تجمع المسلمين في الجزيرة.

ثم بدأ الشيخ تعليم الأطفال اللغة العربية والقرآن الكريم داخل دار الأيتام، وكان يستخدم أبسط الوسائل لجذب الأطفال، حتى إن رغيف الخبز كان بالنسبة لهم هدية نادرة.

يقول الشيخ: «الأطفال كانوا يحبون الذهاب إلى المسجد والدار، لأن المكان نظيف وفيه اهتمام وتعليم وطعام وتهوية، ومع الوقت بدأوا يتعلقون بالقرآن واللغة العربية»، ومع مرور السنوات، ارتفع عدد المسلمين في الجزيرة من نحو 100 شخص فقط إلى ما يقرب من 700 مسلم، وفقًا لما يؤكده الشيخ، ولم تتوقف جهوده عند الدعوة فقط، بل بدأ في تأسيس مشروع تعليمي متكامل.

حوّل حديقة مهملة إلى مقر لـ «جمعية السلام الدولية»، ثم نجح في عقد بروتوكول تعاون مع وزارة التربية والتعليم في الجزيرة لإنشاء مدرسة لتعليم اللغة العربية والقرآن الكريم، كما عاد إلى مصر والتقى بمسؤولي الأزهر الشريف، ونجح في الحصول على موافقات لإنشاء معهد أزهري ديني داخل الجزيرة، بينما أرسل الأزهر مدرسين؛ أحدهما لتعليم اللغة العربية، والآخر لتحفيظ القرآن الكريم.

وتُجرى الدراسة والامتحانات بالمعهد حضوريًا، ويضم حاليًا صفوفًا دراسية للمرحلتين الابتدائية والإعدادية، إلى جانب توفير إقامة داخلية للطلاب تشمل الإعاشة والتعليم بالمجان، كما تعتمد المناهج الدراسية ونظام الامتحانات على ما يقرّه الأزهر الشريف، باعتباره جهة الإشراف التعليمية والدينية على المعهد.

ويقول الشيخ إن المعهد يضم حاليًا 20 طالبًا وطالبة من أبناء الجزيرة، وخلال تسع سنوات فقط، شهدت الجزيرة افتتاح أربعة مساجد جديدة إلى جانب المسجد الرئيسي الذي أعاد الشيخ فتحه بعد وصوله، كما أصبح الشيخ أحمد صبري عبد المنعم أحد أبرز الوجوه الإسلامية المعروفة داخل الجزيرة، وبدأ يلتقي بالسفراء العرب والخليجيين والأفارقة من أجل دعم المشروع التعليمي والدعوي.

وقد التقى بالسفير السعودي في الجابون، المسؤول عن الجزيرة، وتم الاتفاق على إرسال إمام خلال شهر رمضان لخدمة المسلمين هناك، كما نجح الشيخ بنفسه في الحصول على موافقة بتخصيص 25 تأشيرة حج وعمرة لمسلمي الجزيرة، بشرط أن يكونوا من أبناء الدولة ويحملون جنسيتها، لكن بسبب الفقر الشديد للسكان لم يتمكن أحد من السفر لأداء الفريضة، لذلك طلب تقليل العدد إلى خمس تأشيرات فقط تكون مجانية بالكامل، حتى يتمكن بعض المسلمين من أداء الحج لأول مرة في حياتهم.

ورغم قسوة الظروف، يؤكد الشيخ أن سكان الجزيرة يتميزون بالتسامح والبساطة، وأن التغيير الحقيقي يحدث بالتدريج من خلال التعليم والاحتواء والتعامل الإنساني.

وبعيدًا عن الأضواء، تبدو قصة الشيخ أحمد صبري عبد المنعم واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا، لرجل خرج من قرية بسيطة بمحافظة الشرقية، وسافر إلى جزر بعيدة وسط إفريقيا، ليبدأ من مسجد مغلق و20 طفلًا يتيمًا، ثم ينجح بعد سنوات في تأسيس معهد أزهري ومدرسة ومساجد جديدة، ويعيد الأذان واللغة العربية إلى بقعة كانت تكاد تخلو من المسلمين؛ إنها ليست مجرد رحلة دعوية، بل قصة إنسان قرر أن يترك أثرًا في مكان لم يكن أحد ينظر إليه.