رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

هناك لحظة يخشاها كل إنسان دون أن يعترف: لحظة يكتشف فيها أن أيامه صارت تتشابه، وأن صباح اليوم يشبه الأمس إلى درجة لا يعرف معها أين انتهى يوم وبدأ آخر. وكأن الحياة تضعه في اختبار صامت: هل ستذوب في التكرار، أم ستصنع ذاتك رغم كل ما يُعاد ويُكرر؟ يا صديقي، الروتين ليس خصمك الحقيقي؛ الخطر الحقيقي هو أن تتحرك داخله بلا وعي. لأن التكرار قادر على ابتلاعك إن لم تضع فيه شيئًا يخصك.

يومك يصبح نسخة باهتة من غيره فقط عندما تسمح له بذلك. أما حين تضيف له لمستك أنت، عادة صغيرة، نية مختلفة، قرارًا هادئًا، فإنك تعلن أن هذا اليوم ليس استمرارًا أعمى لأمس مر وانتهى. نحن نبدأ نصنع ذواتنا عندما نرى ما لا يراه الآخرون. عندما نفهم أن أبسط الأفعال اليومية يمكن أن تحمل عمقًا لو أضفنا إليها روحنا. الإفطار نفسه، لكن بحضور. الطريق نفسه، لكن بفكرة جديدة. المهمة نفسها، لكن بعين ترى أنها خطوة نحو الشخص الذي نريد أن نكونه، يا عزيزي.

الذات لا تتشكل في اللحظات الكبيرة كما نعتقد، بل تنمو في تلك اللحظات الصغيرة التي يراها الآخرون عادية. في كل مرة تقاوم فيها الاستسلام، في كل مرة تكمل الطريق رغم التعب، في كل لحظة تتساءل فيها عن اتجاهك بدل أن تمشي بلا مقصد. التكرار امتحان، والوعي هو مفتاح النجاح فيه. والمفارقة أن التكرار نفسه قد يكون بوابة التغيير. فالإنسان لا يتغير دفعة واحدة، لكنه يتغير حين يكرر شيئًا جديدًا، حين يدخل عادة هادئة في يومه، حين يقرر أن يكون أفضل بدرجة بسيطة، درجة تتراكم مع الوقت حتى تصنع فرقًا لا يمكن تجاهله، صديقي القارئ.

نحن لا نصبح أنفسنا في اللحظات الاستثنائية، بل وسط الأيام المتشابهة... حين نرفض أن نصير نسخة باهتة من أنفسنا. لكن وسط هذا التكرار كله، يظل سؤال مزعج لا يهدأ: هل هذه هي نسختك فعلًا... أم أنك ما زلت في الطريق؟ هذا ما سنقترب منه في الكبسولة الفلسفية القادمة.

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]