بعد بيان النيابة العامة المحترم الخاص بسيادة القانون وتفكيك «إمبراطورية المعلمين»، تذكرت حوارا دار بينى وبين صديقى العزيز الدكتور قياتى عاشور أستاذ علم الاجتماع السياسى - كلية الآداب - جامعة بنى سويف. حول الدراما وظاهرة «القدوة المشوهة» وكيف أصبحنا ضحايا وفرائس التطبيع مع ما سماه الدكتور عاشور «التطبيع مع العنف»، وهالة الجاذبية التى أصبحت تحيط بهذه النماذج الخارجة على القانون للحد التى جعلت منهم أبطالا شعبيين ونماذج يحتذى بها. وهى الحالة التى يتحول فيها الخارج على القانون من نموذج مرفوض اجتماعيًا إلى شخصية جذابة تحظى بالإعجاب والتقدير، ليس بسبب قيم إيجابية أو إنجاز حقيقى فى أى مجال مفيد للمجتمع، وإنما بسبب ما يحيط بها من مظاهر القوة والثراء والنفوذ. ومع تكرار هذه الصور فى بعض الأعمال الدرامية ومنصات التواصل الاجتماعى، مع الأسف أصبحت تلك النماذج المشوهة هى القدوة السائدة فى المجتمع، أصبحوا نجوم المجتمع. والسؤال الأهم هنا: ما هى القيم الكامنة وراء الشخصيات التى تقدمها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى كنماذج للنجاح والقدوة؟!!
التحولات الاجتماعية والثقافية فى العقد الأخير كاشفة عن تغير كبير فى معايير القدوة لدى بعض الشباب، فبعد أن كانت قيم الإبداع والمثابرة والمعرفة والإنسانية أساس الإعجاب، أصبحت الشهرة السريعة والثروة والاستعراض والنفوذ أكثر جاذبية. وهو تحول يعكس اضطرابًا أعمق فى منظومة القيم، ويستدعى مراجعة النماذج التى نقدمها للأجيال الجديدة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أى مجتمع ليس وجود الخارجين على القانون، فهذه ظاهرة عرفتها كل المجتمعات عبر التاريخ، إنما أن يتحول الخارج على القانون إلى قدوة، وأن يصبح نموذجًا يُحتذى به. عندها لا نكون أمام أزمة أمنية أو قانونية فحسب، بل أمام إشكالية مركبة، ثقافية وقيمية تمس وعى المجتمع نفسه.
لذلك فإن أهمية هذا التدخل الحازم الحاسم من الدولة، لا تتوقف عند حدود تطبيق القانون على أفراد بأعينهم، وإنما تمتد إلى توجيه رسالة مجتمعية واضحة مفادها أن الدولة لا تعترف إلا بشرعية القانون، وأن النفوذ الحقيقى ليس فى القدرة على صناعة الهالة أو حشد الأتباع، بل فى الالتزام بالقانون واحترام مؤسسات الدولة. ومعركة الدولة مع هذه الظواهر ليست فقط معركة لإنفاذ القانون، بل هى أيضًا معركة لاستعادة منظومة القيم التى تعيد القدوة الحقيقية فى المجتمع لنماذج العالم والمبدع والمنتج وصاحب الإنجاز، لا صاحب السطوة أو الهالة المصنوعة. وهى معركة تستدعى منا جميعا الوقوف والاصطفاف خلف الدولة والمؤسسات المعنية، وفى مقدمتها وزارة الداخلية التى التى تخوض مهام بالغة الصعوبة فى مواجهة بؤر النفوذ ومراكز القوى التى اعتادت العمل خارج إطار الدولة أو فوق القانون. ومن الطبيعى أن تواجه هذه الجهود حملات مضادة ومحاولات للتشكيك أو الضغط من جانب أصحاب المصالح المرتبطين بمن قُبض عليهم أو بمن تضررت شبكات نفوذهم، -وبالطبع- من جانب طيور الظلام للجماعة المحظورة وأذنابها وذبابها الإلكترونى. من ثم فإن دعم مؤسسات الدولة فى هذه المواجهة ليس انحيازًا لأشخاص أو أجهزة، وإنما انحياز لمبدأ أساسى لا تستقيم الدول بدونه، وهو أن القانون فوق الجميع، وأنه لا أحد مهما بلغت ثروته أو نفوذه أو عدد أتباعه يمكن أن يكون استثناءً من قواعد الدولة أو خارج نطاق المساءلة القانونية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض