مصر تسرع بناء درعها الرقمية.. واستراتيجية سيبرانية ثالثة فى الأفق
وزير الاتصالات: السيادة الرقمية خط أحمر ومراكز البيانات شرايين الاقتصاد الجديد
المجلس الوطنى للذكاء الاصطناعى يتوسع ويضم الحوسبة الكمية
فى وقت تتصاعد فيه التهديدات السيبرانية وتتحول إلى أداة ضغط فى يد الدول والجماعات على حد سواء، تواصل مصر تعزيز منظومتها الرقمية الدفاعية بخطى متسارعة، ويأتى انعقاد الدورة الخامسة من مؤتمر ومعرض أمن المعلومات والأمن السيبرانى CAISEC 2026 تعبيراً صريحاً عن هذا التوجه، إذ استقطب الحدث هذا العام أكثر من 5000 آلاف مشارك من 22 دولة، وفتح نقاشاً جاداً حول مستقبل السيادة الرقمية فى المنطقة العربية والأفريقية، وعلى منصة المؤتمر، حمل المهندس رأفت هندى وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رسالة واضحة، وهى «حماية الفضاء الرقمى لم تعد مسألة تقنية بحتة، بل باتت شأناً سيادياً يمس صميم الأمن الوطنى».
الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبرانى والتحضير للإصدار الثالث
أشار هندى إلى أن الدولة تواصل تنفيذ الإصدار الثانى من الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبرانى (2023-2027) عبر الإطار المؤسسى للمجلس الأعلى للأمن السيبرانى، مضيفاً أن الأعمال التمهيدية للإصدار الثالث من الاستراتيجية قد بدأت فعلياً، بهدف مواكبة التطورات التقنية المتسارعة والاستعداد للتحديات والفرص التى تفرضها التقنيات الحديثة.
وفى السياق ذاته، أعلن وزير الاتصالات عن توسيع اختصاصات المجلس الوطنى للذكاء الاصطناعى ليصبح «المجلس الوطنى للذكاء الاصطناعى والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة»، مشيراً إلى أن الحوسبة الكمية تطرح تحديات مستقبلية جدية تتعلق بمنظومات التشفير وحماية البيانات، وأن هذا التوسع يهدف إلى استشراف التحولات التقنية القادمة والاستعداد لها مبكراً.
السيادة الرقمية ومراكز البيانات
شدد هندى على أن حماية البنية التكنولوجية والمقدرات الرقمية باتت فى صميم قضايا الأمن القومى، مؤكداً أن السيادة الرقمية أصبحت أحد المقومات الرئيسية لحماية المصالح الوطنية وضمان استمرارية الخدمات الحيوية.
وأوضح أن مراكز البيانات تمثل اليوم ركيزة أساسية للاقتصاد الرقمى، بما توفره من قدرات لاستضافة البيانات وتقديم الخدمات الرقمية ودعم تطبيقات الذكاء الاصطناعى والحوسبة، مؤكداً أن مصر تواصل العمل على تعزيز مكانتها مركزاً إقليمياً فى هذا المجال من خلال تطوير البنية التحتية وتشجيع الاستثمارات فى الحوسبة السحابية.
وأشار هندى إلى أن البيانات باتت العنصر الأهم فى إنتاج القيمة الاقتصادية ودعم الابتكار وصنع القرار، وأن قضايا الأمن السيبرانى لم تعد تقتصر على حماية الأنظمة والشبكات، بل أصبحت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحماية الثقة فى الاقتصاد الرقمى وضمان استمرارية الخدمات وصون الأصول الرقمية.
تنمية الكفاءات البشرية والتوعية المجتمعية
أكد هندى أن العنصر البشرى هو حجر الأساس فى منظومة الأمن الرقمى، واستعرض جملة من المبادرات الوطنية فى هذا الإطار، أبرزها، مبادرة «أجيال مصر الرقمية»، وبرنامج «الرواد الرقميون»، و»أكاديمية الأمن السيبرانى للنشء»، ومنصة «مهارة تك» للتدريب المهنى التقنى.
كما أشار إلى إطلاق منصة «واعى.نت» بالتعاون مع المجلس القومى للطفولة والأمومة والأمم المتحدة، لتعزيز الوعى بالمواطنة الرقمية والسلامة على الإنترنت لدى الأطفال والنشء ومختلف فئات المجتمع، مؤكداً أن المفهوم الحديث للأمن السيبرانى يضع الإنسان فى قلب منظومة الحماية الرقمية، وأن الاستثمار فى الكفاءات البشرية لا يقل أهمية عن الاستثمار فى التقنيات والبنى التحتية.
وعلى صعيد سوق الأمن السيبرانى، لفت الوزير إلى اعتماد 45 شركة كمقدمى خدمات أمن سيبرانى وطنية، فى إطار توجه الدولة لتنمية هذا القطاع ودعم الشركات الوطنية العاملة فيه، مما يسهم فى رفع جودة الخدمات وتعزيز الثقة فى السوق المصرية.
قال الإعلامى أسامة كمال، رئيس مجلس إدارة «ميركورى كوميونيكيشنز»، إن المؤتمر انطلق عام 2022 فى توقيت بالغ الدلالة، إذ تزامن مع الأزمة الروسية الأوكرانية وما كشفته من تداعيات مباشرة على منظومة الأمن السيبرانى عالمياً، مؤكداً أن السيادة الرقمية للدول العربية والأفريقية لا تقل أهمية عن السيادة على الأراضى والأجواء، مشيراً إلى أن التكنولوجيا لم تعد قطاعاً قائماً بذاته، بل أصبحت البنية الأساسية التى تقوم عليها جميع القطاعات الأخرى.
وأوضح كمال أن قضايا السيادة الرقمية ومواكبة التطورات المتسارعة فى مجالى الأمن السيبرانى وأمن المعلومات ستكون فى صدارة موضوعات النقاش خلال دورة هذا العام، فى ظل تنامى التهديدات وتطور أساليبها على المستوى العالمى.
مشاركة دولية واسعة
شهدت الجلسة الافتتاحية حضور عدد من كبار المسؤولين والخبراء، من بينهم العميد أحمد عنانى ممثلاً عن وزير الدفاع، والدكتور شريف حازم وكيل محافظ البنك المركزى للأمن السيبرانى، والدكتور إسلام عزام رئيس هيئة الرقابة المالية، كما شارك الدكتور يان إلسبيرجر المدير العام للمعهد الأوروبى لمعايير الاتصالات، والدكتور ديفاين سيلاسى أجبيتى رئيس الشبكة الأفريقية لسلطات الأمن السيبرانى، ولاسينا كونى المدير العام والرئيس التنفيذى لمنظمة «سمارت أفريكا»، ومحمد بن عمر المدير العام للمنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات.
وضمت قائمة المشاركين أيضاً قيادات وزارة الاتصالات ممثلة فى داليا الباز رئيس مجلس إدارة هيئة البريد، والمهندس أحمد الظاهر الرئيس التنفيذى لـ«إيتيدا»، والدكتور أحمد خطاب مدير المعهد القومى للاتصالات، فضلاً عن ممثلين لكبرى الشركات التقنية العالمية والإقليمية، من بينهم محمد أمين النائب الأول للرئيس فى شركة يل تكنولوجيز لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، وإبراهيم سرحان رئيس مجلس إدارة مجموعة إى فاينانس، ومحمد كامل المدير العام لشركة سيسكو مصر، وخالد فوزى المدير الإقليمى لشركة فورتينت فى مصر وليبيا والسودان.
اختتم هندى كلمته مؤكداً أن الطبيعة العابرة للحدود للفضاء الرقمى تجعل التعاون الدولى والإقليمى ضرورة لا غنى عنها، إذ لا تستطيع دولة أو مؤسسة منفردة مواجهة التحديات السيبرانية بمعزل عن غيرها، مشدداً على التزام مصر بمواصلة العمل مع شركائها الإقليميين والدوليين لتعزيز الأمن السيبرانى وترسيخ السيادة الرقمية، مشيراً إلى أن مستقبل هذا الملف يبنى بالشراكات وتبادل الخبرات والاستثمار فى الكفاءات البشرية، لا بالحلول التقنية وحدها.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض